اساس السياسة

اساس السياسة - القفطي، على بن يوسف - الصفحة ٨٥

و الراحة. و صيّر محظورات تلك الأمور كلّها عندهم مباحة. فاستلانوا الهوينى. و أعرضوا في طلب العزّ عن التعرض للمتالف، و قعدت به همم النفوس حتى تشبّهوا بالقواعد[١]. و رضوا بأن يكونوا مع الخوالف. و حملتهم الجرأة إلى أن طلبوا من زيادة الأرزاق فوق ما توجبه لهم قضية الاستحقاق. فإن يعطوا منها رضوا، و إن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون. ثم قعدوا عن التكسب بأسباب معيشتهم و شاركوا الرعيّة في مهن عيشتهم. و تمثلوا بالسّوقة[٢] لطول المقام معهم في أخلاقهم. و ضايقوهم لما غلب عليهم من حبّ الراحة في تصرفات أرزاقهم. و إنما مثل الجندي كمثل الكاسر الذي يتكسب بنابه و مخلبه. و تسمو نفسه لشرفها عن مشاركة شي‌ء من الحيوانات في مأكله و مشربه. فهو لا يسأم مبارزة الخطوب، و لا يكره منازلة الحتوف. و لا يحبّ المال إلّا من قنا[٣] و سيوف [الطويل‌]:

يظلّ بموماة، و يمسي بغيرها

جحيشا، و يعروري ظهور المهالك‌

يرى الوحدة الأنس الأنيس و يهتدي‌

بحيث اهتدت أمّ النجوم الشوابك‌[٤]

ثم الأعداء المجاورون‌[٥] لبلادك قد أشرفوا عليها من كلّ جانب و أطلوا. و أجمعوا على غزوها من كلّ جهة. و قلّما غزي قوم في عقر دارهم إلّا ذلّوا.

ثم شرحت له من أسرار ما كان الوزير ألقاه إليها البواطن.

و أثارت من غوامض ما كان قصّه عليه الدفائن.


[١] القواعد: النساء.

[٢]السّوقة: الرعية.

[٣]القنا: الرماح.

[٤]البيتان لتأبط شرّا في ديوانه، ١٥٢- ١٥٦؛ شعره، ١١٦- ١١٩.

[٥] (*) في الأصل: المجاورين.