اساس السياسة - القفطي، على بن يوسف - الصفحة ٦٦
لا تنقّي عليها خيانة الخزّان. فقد حكي أن بعض الخلفاء[١] قال يوما لحاجبه: ارفع إلينا حوائجك فقد خفّفت حتى ثقلت. و قلّلت حتى[٢] كثرت. فقال: و اللّه! ما أستنزر فضلك، و لا أستصغر برك، و لا أستقصر عمرك و لا أغتنم مالك و برك. و إن عندي في تأميلي إياك لأفضل من يومي فيما قد نلته من سعة فضلك. و لكن هذا عبدك ولدي فلان أوثر أن تقرّبه و تحبوه[٣] و تحبه. فقال: أما الحباء و التقريب فقد يوجد السبيل إليهما. و أما المحبة فليست بمال يوهب و لا بمزية تبذل. و إنما يوجبها أسباب و توكّدها أحوال.
فقال: اجعل له إلى ذلك طريقا بالتفضّل عليه. فإنك إذا أحسنت إليه أحبك، فإذا أحبك أحببته.
فقال: أما التقريب فقد أذنت لك في استنابته عنك في الحجبة، و أما الحباء فقد وصلته بكذا و كذا، و لم أصل به أحد إلّا عمومتي.
و لكن كيف سألت له المحبة من بين سائر الأمور و قرنتها بالحباء و التقريب؟
قال: لأنها مفتاح كلّ خير، و مغلاق كلّ شر. تستتر بها عنك عيوبه. و تصير بها حسنات ذنوبه.
قال لها الملك- أي للحظيّة[٤]- إن ذلك يفتقر إلى حسن تلطّف في استدعاء هذا المطلوب. و لطيف توصل في تحصيل مودّات القلوب فهل تعرفين في ذلك مثلا مضروبا. و فعلا صار به
[١] بعض الخلفاء: المقصود هنا المأمون عبد اللّه بن هارون الرشيد.
[٢] (*) كلمة" حتى" ليست معجمة في الأصل.
[٣]الحباء: العطاء بلا جزاء و لا منّ.
[٤] (**) أثبت الناسخ الكلمتين في الحاشية.