اساس السياسة - القفطي، على بن يوسف - الصفحة ٩٢
أقوالهم لاهيا. و قال: إن من أقبح ما ينشر و يذكر، و أشنع ما يروى و يؤثر. أن الملك- على جلالة منصبه و جميل رأيه في الرأي و مذهبه- خاف من عادية صعلوك فقير. و ذعر من قصة مسكين حقير. و ليس من ذوي الجرأة و الفتكة. و لا من أهل الشوكة[١] و الشكة. فبادر إلى قتله منتهزا لهذه الفرصة العظيمة. و خائفا من هذه العقبة الوبيلة[٢] الوخيمة. و كيف يسوّغ في الشريعة الإقدام على رجل من أهل الدين بالقتل؟ أو يحلّ في الدين المبادرة لسفك دم من لا ذنب له إلّا الأمر بالإحسان و العدل؟
فقالوا له: أيها الملك، أراك اللّه الصواب، و استعملك فيما يرضاه من المجاب. فإذا لم تسمح نفسك بقتله. و لا حسن عندها حسم هذا الداء من أصله. فتقدم بحبسه ليكون ذلك إما زاجرا له عن معاودة الجرأة عليك و القدح في دولتك. أو باعثا له على الخروج من حوزتك و ارتياده بلدة غير بلدتك.
فتقدّم الملك باعتقاله و أمر المتوكلين به بمطالعته بأحواله. فلم ير مفترا في طول حبسه عن الصلاة و الصيام. و لا مقصّرا في إحياء الليل بالتلاوة و القيام. و لا متناولا من الشراب و الطعام إلّا قدر ما يكون لنفسه به قوام.
فلما أعلم الملك ذلك من حاله. ندم على ما كان من حبسه.
و لام من حمله على ذلك و عاد بأكثر اللوم على نفسه. ثم أمر بإخراجه و أكرم مثواه. و رغب إليه في التحليل ممّا كان منه و أن لا يخليه من صالح دعاه. فلما تخلّى سربه و تحلّى بالأنس قلبه، عاد إلى أعظم من حاله الأولى. و أفرط في الزيادة فيما كان يقول و يفعل.
[١] (*) الأصل: السوكة.
[٢] الوبيلة: الشديدة.