اساس السياسة - القفطي، على بن يوسف - الصفحة ٨٠
|
غنّت فلم تبق فيّ جارحة |
إلّا تمنيت أنها أذن |
|
فاجتمع له من السرور ما تفرّق في سالف عمره. و أسف على ما فرط فيه من الغفلة عنها في غابر دهره. ثم أنشد بعد ما قرع سنّ نادم[١] [الطويل]:
|
و كاد سروري لا يفي بندامتي |
على تركها في دهري المتقادم |
|
فلم يزل معها على تلك الحال حتى علمت أن السرور قد غلب عليه. و الطرب قد تناهت غاياته إليه. فاندفعت تغنّي بشعر تعرّض فيه لذلك المجلس بالزوال. و لتلك الحال بالتحول و الانتقال. ثم أجهشت في إثره بالبكاء و العويل. و اتبعت ذلك بالأسف الزائد و التحسر الطويل.
فاضطرب الملك لذلك و تنكر. و تغيّر وجهه و تمعر[٢]. و قال لها: ممّ هذا البكاء الذي لا يليق بهذا الوقت؟ و ما الموجب للانتقال من حال يوجب المقة[٣] إلى حالة توجب المقت؟ و هل بقي شيء من المسار إلّا و حضر؟ و هل شيء من هذه الملاذ[٤] إلّا و قد غبر في وجه ما مضى من أمثاله في سالف العمر و غبر؟
فقالت: لا و اللّه ما على هذا كان أعوالي. و لا بسببه كان إذا رأى لدمعي و أسبالي.
[١] للمتنبي من قصيدة مطلعها:
|
سألتُ حبيبى الوصلَ منه دُعابَةً |
و أعْلَمُ أنَّ الوصل ليس يكونُ |
|
|
فمَاسَ دلالًا و ابتهاجاً و قال لى |
برفقٍ مجيباً( ما سألتَ يَهُونُ) |
|
[٢]تمعّر الوجه: تقبّض.
[٣]المقة: المحبة، و المقت: الكره.
[٤]الملاذ: الملذات.