اساس السياسة

اساس السياسة - القفطي، على بن يوسف - الصفحة ٧٨

قال لها الوزير: إن أمرا عجزت عنه حيلتي لجدير أن لا يبلغه احتيالك. و قضية قصّرت عن احتمالها قدرتي لحقيق أن يقصّر عنها احتمالك.

قالت له الجارية: إني أصل من الملك إلى ما لا تصل أنت إليه. و أقدر من التوصّل إلى قلبه على ما تقدر أنت عليه. لأني أحضره في وقت تناهي سروره و طربه. و أخلو معه في أوقات لهوه و لعبه. و زمام قلبه حينئذ في يدي كيف ما شئت أقلّبه. و عنان لبه مسلّم إليّ، فعليّ حكم اختياري تصرّفه و تقلبه. لا سيما إذا اختلفت لديك وجها يوجب التأمل. و أخرجته في معرض يرى أنه بري‌ء من التكلّف و التعمل.

فاتخذ لها الوزير عند ذلك أصناف الحلي و الملابس.

و حكّمها[١] من خزائنه في كلّ ما اقترحته من الذخائر و النفائس.

و حملها إلى الملك في أكمل هيئة و صورة. و نقلها إلى قصره، و قد أصبحت صفات الجمال عليها مقصورة. فلما رآها الملك راعه ما عاينه من باهر حسنها. و استنطقها ففتنته ما سمع من فصاحة لسانها على حداثة سنّها. فملكت عليه أعشار قلبه. و شغلته من نسائه عمّن كانت تدلّ بميله إليها و حبه.

و أقامت عنده مدّة لا يلهيه عنها لهو و لا طرب. و لا يلهيه عن الاشتغال بها مهمّ و لا أرب. فلمّا علمت أن هواها من قلبه قد تمكّن، و ظهر لها صدق شغفه بها و تبيّن. اتخذت مجلسا عظيما كسيت‌[٢] بصفائح الذهب الإبريز حيطانه و سقوفه. و رصّعت فيه من‌


[١] حكّمها: أي تركها تختار ما تشاء.

[٢] (*) المجلس مذكر، لكن الناسخ أنّثه.