اساس السياسة - القفطي، على بن يوسف - الصفحة ٩٣
فافتعل الناس له من كواذب المنامات[١]. و اختلفوا له من فنون الكرامات. ما كادوا يرفعونه عن درجة الأولياء إلى رتبة الأنبياء.
و يحلّونه محل من خوطب من الهوى أو كوشف بحقائق الأنباء.
فاجتمع أهل النصيحة إلى الملك و قالوا له: إن لم تتلاف هذا الداء، و إلّا أعضل[٢] دواؤه و امتنع. و إنّا لم تبادر برقع هذا الخرق، و إلّا أعيا على الراقع و اتّسع[٣]. و إنا لم نزل قطّ في أمر هذا الرجل على بصيرة. و لم يتخالجنا الشك قطّ فيما كان يبطنه من سوء سريرة.
و إنما بدا للملك في أمره أمر فلم نستطع فيه مقاومته. و رأى في بابه رأيا فلم يمكّنا أن نطيل فيه جداله و مخاصمته. و رأينا فيه هو الرأي الأول. و حكمنا فيه أن تمضي فيه حكم [...] السيف فيقتل.
فقال الملك: إن نفسي لشديدة النفار من قتله. و إني لأربأنها عن سوء المقدرة على مثله. و لكن ينفى من المدينة و يخرج. و يعفى من القتل و إن كان إليه قد أحوج.
فأخرج عن المدينة من فوره. و خرج الناس لتوديعه حتى غصّ بالنظارة منهم سورها على سعة دوره. فانتهى به المسير إلى بعض القرى. فآوى إلى ظل مسجدها متعرضا للقرى[٤]. فلما رأى أهلها حسن سمته و سمته و أطباهم[٥] لهم بما شاهدوه منه من عمارته بالخيرات
[١] كواذب المنامات: كواذب الأحلام. انظر كتاب تعبير الرؤيا لابن قتيبة، تح: الأستاذ إبراهيم صالح، دار البشائر، دمشق، ٢٠٠١.
[٢]أعضل: اشتد.
[٣]هذه القصة لها شبه في نشوار المحاضرة للتنوخي، تح: عبود الشالجي، ج ٢، ص ٣٥١- ٣٥٥. فقارن هذه بتلك.
[٤]القرى: الضيافة.
[٥] (*) كذا في الأصل.