اساس السياسة - القفطي، على بن يوسف - الصفحة ١٠٢
و نرى الموت في سبيله غنما.
فلم يردّ عليهم مقدّم الجيش[١] الجواب إلّا بجملة احتمل فيها من أوزاره ما احتمل. و ثبت له أهل القرى فكانت الدائرة عليه فقتل من أصحابه أضعاف ما قتل. و نزل بهم الخذلان فولّوا الأدبار و ظنّوا أن النجاة في الفرار. فأخذتهم السيوف من كلّ مكان. و لم تكن إلّا ساعة حتى دخلوا في خبر كان. و لم ينج منهم إلّا [فل] يسير[٢] كانوا بريد الخبر. و الناقلين عن أصحابهم ما حلّ بهم من تصاريف الغير.
و استباح أهل القرى ما خلّفوه في معسكرهم بعد الهزيمة من غنيمة.
و حصلوا من الأسلحة و الأمتعة على كلّ خطير ذي قيمة. و عادوا إلى قرارة دارهم و محل استقرارهم و قد ملأوا من الأسلاب حقائبهم و أثقلوا بالأنفال ركائبهم. أشدّ ما كانوا استيسادا[٣] و ضراوة. و أعظم ما كانوا على أعدائهم غلظة و قساوة.
فلما صاروا في مجمع ناديهم و مجتمع حاضرهم و باديهم.
أقبل عليهم الشيخ و قد برقت بالسرور أساريره. و لاحت على وجهه من البشر تباشيره. و قال: ألم أقل لكم إني أعلم من اللّه ما لا تعلمون؟ فاتقوا اللّه و أطيعون. و لا تطيعوا أمر المسرفين الذين يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ[٤]. فخرّوا له سجّدا للأذقان.
[١] مقدّم الجيش: ديوان الجيش، ناظر الجيش، و ثمة مصطلحات أخرى، كلها تشير إلى قائد الجيش. قال" السبكي" إنّ من يتولى الجيش و يجرد له، يجب أن تكون فيه المصلحة و الكفاية و القدرة. انظر: معيد النعم و مبيد النقم، ٣٣- ٣٤.
[٢]فل يسير: مجموعة صغيرة و كلمة" فل" غير واضحة في الأصل.
[٣]الاستيساد: نسبة إلى الأسود.
[٤]سورة النمل، ٤٨.