اساس السياسة - القفطي، على بن يوسف - الصفحة ٨٦
فقال لها: أنى[١] لك هذا؟
قالت: ممّن حمله على التحيّل[٢] في النصح فرط شفقته.
و عرف لمربّيه و مصطنعه حقّ اصطناعه[٣] و تربيته.
[ندم الملك]
فأفاق الملك من غمرة سكره. و تاب إليه من لبّه ما كان عازبا، فندم على ما فرط فيه من أمره.
و خرج فاستدعى الوزير من فوره. و سأله أن يخبره بكلّ ما كان يعتلج[٤] في صدره. فوجده مستعدا للجواب عن كلّ ما يسأل عنه.
متهيئا للإرشاد إلى كلّ ما يراد من سداد الرأي منه. فأطلعه على خفايا الأسرار. و عرّفه ما صحّ عنده عن عدوّه من الأخبار. و بصّره من السياسة أمورا كان يسترها عنه غشاوة على ناظر قلبه فإنها لا تعمي الأبصار.
فأطرق خجلا من الوزير. و ندم على ما كان منه لهذه النصائح من التأخير. ثم رفض اللذات البهيمية[٥] و هجرها. و حرّم الشهوات الخسيسة و حظرها. و أخرج ما عنده من آلة المنكرات التي أنكرها فحطّمها و كسرها. و رجع إلى اللّه تعالى من جميع ذنوبه تائبا. و لزم باب جوده و فضله عاكفا على الاستغفار مواظبا. ثم انتصب بنفسه
[١] أنّى: أي من أين لك هذا؟
[٢]التحيّل من الحيلة.
[٣]اصطنعه: رباه و اعتنى به.
[٤]يعتلج: يدور.
[٥]اللّذات البهيمية: اللذات الحيوانية.