اساس السياسة

اساس السياسة - القفطي، على بن يوسف - الصفحة ٨٤

فاتلف و أخلف إنما المال عارة[١]

و كله مع الدهر الذي هو آكله‌

و يجب أن تكون عناية الملك ببيوت أمواله، كعنايته ببني آماله.

و تربيته لأصول ارتفاعه كربه الشنيعة عند ذوي اصطناعه. و أن لا يكون عند الحاجة إلى ما في أيدي رعيته مفتقرا. و لا بالضرورة عند وقوعها في مضايقتهم معتذرا. فيكون مثله كمثل الهرّة التي تأكل أولادها عند ضرورتها[٢]. و تنسى ما كان لها عليهم قبل ذلك من حنوها و شفقتها. ثم جباة الأموال و من يتولاها من قبلهم من العمال.

فهم رجلان: أما ذو جرأة و إقدام على الخيانة. و أما عف ذو أمانة قد أضاع بالمحاباة و الذّب عن نفسه من حقوق الديوان ما هو حقيق بالصيانة. فلو استشعر الأول أنّ له من يأخذه بسوء جنايته لكفّ عن غرب‌[٣] جرأته و خيانته. و لو تحقّق الثاني ممّن يسعى في إفساد حالته، لعمل بمقتضى علمه و أمانته. فعدم النظر هو الذي طرق هذا الخلل، و أفضى إلى هذا الأمر الجلل.

ثم الأجناد[٤] الذين هم أعضاد الدولة و أنجادها، و أركان الملّة و أوتادها. و بهم يرهب العدو و يقمع. و بسيوفهم يستأصل دابره و يقطع. قد أفسدت المساواة بينهم عقائدهم. و غيرت في الطاعة عوائدهم. فتفرّقت أهواءهم المنتظمة في التساهل و العزائم. و قد قال الحكيم‌[٥]: إذا تساوى الناس هلكوا.

و أعظم من ذلك: إهمال التفقد لأحوالهم. و إغفال شغلهم فيما قد أهلوا له و استعمالهم. حتى قضى ذلك لهم باعتياد الرفاهية


[١] عارة أي معار.

[٢]كناية الهرة معروفة و مشهورة.

[٣]غرب: الحدّة.

[٤]الأجناد ج. جندي.

[٥]يقصد هنا أرسطو.