اساس السياسة

اساس السياسة - القفطي، على بن يوسف - الصفحة ٨٢

[الثوب الأحمر]

و قد حكي أن بعض ملوك الصين‌[١] كان قد أوتي في العدل بسطة. و حبّب إليه الإنصاف حتى لم يكن له في شي‌ء سواه سرور و لا في غيره غبطة. فكان يجلس لرعيته غداة كلّ يوم فينظر في مصالحهم و مظالمهم. و يكفّ عن مظلومهم يد ظالمهم. فلم يزل على ذلك حتى أصيب بآفة في سمعه. و اعتراه صمم لم يقدر بحيلة على دفعه عن نفسه و منعه. فتعاظمه ما ترك به من هذا العارض.

و تكدّر عليه من عيشه صفوه و أضحى حميم لذاته و هو بارض‌[٢].

فدخل عليه في بعض الأيام بعض خواصه، فوجده يبكي بكاء ثكلى أصيبت بواحدها و عزّها الجزع، فعسر عليها العزاء حتى أبكت عين حاسدها.

فقال له: الملك- أعزّه اللّه- أبصر بمواقع السلو و العزاء. و أعلم بما أعدّه اللّه تعالى للصابرين في البأساء من حسن الجزاء. و إنّ الجزع لا يردّ فايتا، و البكاء لا يردّ ذاهبا. و الصبر أحسن في الأمور عواقبا.

فقال: و اللّه ما أبكي لما فات مني، فإني قد احتسبت عند اللّه قوته. و لكن لمظلوم يصرخ بالباب، فلا أسمع صوته.


[١] ملوك الصين: انظر طرفا من تاريخهم و أخبارهم في مروج الذهب ١: ١٥٥- ١٧٣؛ و معجم البلدان( مادة صين) ٣: ٤٤٠- ٤٤٨. و ترد حكاية الثوب الأحمر في عدّة مصادر بينها: سراج الملوك للطرطوشي( تح: محمد فتحي أبو بكر- الدار المصرية اللبنانية- الإسكندرية، ١٩٩٤ م) ص ٢٢٣، و قد جعلها في الهند بدل الصين. المصباح المضي‌ء لابن الجوزي ٢/ ١٤٥؛ عيون الأخبار ٢/ ٣٣٥.

[٢]بارض و مبروض: مفتقر، لكثرة عطائه و حميم لذاته: أسير لذاته.