اساس السياسة - القفطي، على بن يوسف - الصفحة ١٠٤
السلطان لحصارها. و إزالة الدولة التي كانت تزهي على الدّول بكثرة أتباعها و أنصارها. فنزل بهم الشيخ عليها في عساكر لا تعدّ جموعها، و عشائر ضاقت بهم من تلك النواحي ربوعها. و لم يزل يراوحها القتال و يعاديها و يمنعها المرافق التي يترمق بها من فيها إلى أن ضاق بهم الخناق و كلّت منهم القوى و ضعفت الأرماق[١]. فصاح بهم صيحة واحدة ما لها من فواق. فأذهلت كلّ مرضعة عن طفلها.
و أسقطت كلّ حامل ما أجنته من حملها وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها[٢]. ففرى أديمها[٣] و استباح حرمها و حريمها. و عمّ بالقتل [صغيرها][٤] و كبيرها و صحيحها و سقيمها. ثم احتوى على قصر المملكة و استوى على سرير ملكه. و أصبح جذلا بما قد ظهر لاتباعه من معجزات صدقة و معضلات فتكة. و زاد فيما كان يظهره في جبله[٥] بزهده و نسكه ليحسم بالمبالغة في الخشونة عن كلّ منهم مادة ريبه و شكّه.
و خرج سلطان المدينة منها خائفا يترقب. و خلفه من أعدائه خائفا يتعقّب. حتى لجأ في نفر يسير من خاصته إلى بعض معاقله التي كان يعدّها لمهامه. و يعتدّها عصمة عند طروق مثل هذا الحادث و إلمامه. و تبعه الشيخ في جيوش فاتت مدى العدّ و الإحصاء. مجدّا في طلبه لا يألو جهدا في الإيغال و الاستقصاء. حتى لحق بالمعقل
[١] الأرماق ج. رمق، و هي: بقية الحياة.
[٢]سورة القصص، ١٥.
[٣]فرى أديمها: شق ما ظهر من السماء و الأرض.
[٤] (*) الكلمة غير معجمة في الأصل.
[٥]جبله: طبعه.