هذه فاطمة صلوات الله عليها - الحسني، نبيل - الصفحة ٣٤ - رابعاً بعض الأوجه في معرفة الحكمة في إخفاء قبر فاطمة عليها السلام
وجوههم جميعاً قد انحرفت عنه وتغيرت عليه بعد وفاة فاطمة، وهو صاحب المظلومية العظمى، فكيف به لو كان قبر فاطمة معروفا مكانه معلنا موضعه، لرأى منه العجب العجاب ولا يبعد أن يمنع من زيارته ويأنب على بث حزنه وشكاواه.
الوجه الثاني: من المؤكد أن يقوم الظالمون بالتعدي على حرمة فاطمة بعد موتها ولا تنجوا من التعرض لنبش قبرها والتاريخ مليء بهذا الفعل الإجرامي من أعداء الله وأعداء رسوله ويكفيك ما جرى على حفيدها زيد بن علي بن الحسين بن فاطمة بعد موته من الأمور الشنيعة التي يندى لها جبين الإنسانية، فقد نبش قبره وأخرجت جثته وصلبت على جذع أربع سنوات حتى عششت الفخاة في جوفه ونسجت العنكبوت بيتا على موضع عورته، ولم يكفهم هذا بل أنزلوه بعد هذه السنين والشهور فأحرقوه وذروا رماده في نهر دجلة.
فضلاً عما قام به المتوكل العباسي في محاربته لقبر سيد شباب أهل الجنة بحرث الأرض التي تحيطه وتجريفها وتسليط ماء نهر العلقمي عليها لتضيع آثار القبر المقدس، لكن الله تعالى رد كيده إلى نحره فقد توقف مجرى الماء وحار حول القبر الشريف فكان آية من آيات الله التي أخزت المتوكل ومن أسس وشايع على ظلم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم([٥٤]).
الوجه الثالث: لعلمها عليها السلام أن هذا القبر سوف يهجره المسلمون ويمنع عنه المؤمنون، ولعل أهون ما يقوم به الظالمون هو محو أثره كما محيت كثير من الآثار المحمدية والمعالم الإلهية وعندها لن يهب الذين يدعون الإسلام لنصرتها فما
[٥٤] تاريخ الطبري: ج٥، ص٥٠٢ ــ ٥٠٥؛ المنتظم في تاريخ الأمم لابن الجوزي: ج٧، ص٢١٢؛ تجارب الأمم لابن مسكوية: ج٣، ص١٤٧؛ الأعلام للزركلي: ج٣، ص١٤٧.