الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩٩
لحضارة الطين- على الأرض واقع منشدٌّ إلى القيم، وشاهدٌ على الرسالية، وناطقٌ بقيم الخُلُق والدِّين، ومُتَسَامٍ بالوضع المادي الكبير المصنوع على يدها بدل أن تخسر قيمها بالوقوف عنده والذوبان فيه، فتتمرّغ في الطين، وتبتلي ببلادته، ويستولي عليها جموده، وينقطع بها عن الأفق اللامحدود، والنورِ الذي لا يتوقف، ولا يأتي عليه شيء من النهايات.
الإنسان بروحه الشفافة ورؤيته الكونية العميقة الواسعة الأصيلة، وشعوره الصاعد إلى الله، وشوقه وولهه المتعلق بعظمته، الإنسان بذاته المعنوية الفياضة بالخير، بالحب الطاهر، بالوعي الرّشيد، بالعدل، بالإحسان، بالرحمة، بالعطاء، بالإيثار هو الهدف في هذه الحضارة. أما النمو المادي ومتع البدن فمما يقع وسيلةً فيها لصناعة الإنسان الكبير في عقله العارف بالله، وفي روحه المنفتحة على هداه، وقلبه المليء بالخير، وذاته الزخّارة بمعاني الرفعة والسمو، والتطلعات الإلهية الكريمة.
الإنسان في هذه الحضارة ينشدّ بالأرض إلى السماء، يرتفع بها إليها، يقود الحركة فيها على ضوء قيمها، يخصّبها بالخير من منهج تلك القيم، يفرشها عدلًا وأماناً وسلاماً، وفيوضاتِ بركةٍ بتعاليم المنهج الإلهي ووصاياه الكريمة، وأخلاقيته الرفيعة، وشريعته السمحاء الهادية العادلة المثرية.
الإنسان في هذه الحضارة لا يسقط مستواه الخلقي، ولا ينهار في معنوياته، ولا يخسر ذاته المشعة وفطرته الهادية القويمة ليجد نفسه من بعد ذلك عاجزا عن الأخذ بمنهج السماء، والإيمان بمنظومة قيمها حتى يكفر أو يستنزل السماء إلى الأرض فيكون إلهه من مستوى الطين، ومعبوده مخترعاً من حجم المادة، وهي النتيجة الحتمية لمناهج الأرض وأطروحات الإنسان البعيد عن الله، وهي النتيجة التي تنتهي إليها حضارة التراب بقصورها وجمودها وجهلها ووضاعتها.
ومن عناوين هذا الموضوع بعد الكلمة التمهيدية له: