الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٢
وهناك ذنبٌ فرديٌ قد يصل إلى الألف، وقد يصل إلى الألفين، لكن هناك ذنباً آخر هو ذنبٌ اجتماعيٌ، حين يتحوّل خطّ المجتمع إلى خطّ مخالفٍ لخطّ الله؛ فحين يأخذ مجرى التاريخ على يد أمةٍ مجرىً غير المجرى الذي حددّه الله سبحانه و تعالي وسنّه لهذا الإنسان فحينئذٍ نكون أمام ظلمٍ اجتماعيٍ، أمام ظلمِ أمةٍ، ولذنب الأفراد عقوبة، ولذنب الأمم عقوبة. والأمم لا تؤخذ بذنوب بعض الأفراد المتسترين عليها، والمخالفات الجزئية لهم حين تكون محلّ الإنكار، ولكن تؤخذ بذنب اجتماعيّ، وبخطٍ عامّ تحتضنه الأمة على ما فيه من انحرافٍ عن خطِّ الله، ولا يكون مُنكِرون يُشكلون خطاً عاماً، ولاتكون مواجهة.
«وَ ما كُنَّا مُهْلِكِيالْقُرى إِلَّا وَ أَهْلُها ظالِمُونَ [١]» فالآية الكريمة الثانية من نسَق الآية الأولى تتحدث عن سنّة تاريخية تربطُ بين هلاكِ الأمم وبين ظلمها.
«إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [٢]» إذا تغيرت أنفس القوم من حسنٍ إلى سيء كانوا على طريق الهلاك، وإذا تغيرت أنفسهم من سيء إلى حسن كانوا على طريق النجاة. حركة التغيير تبدأ من الداخل، وحركة التغيير إما أن تكون في الاتجاه السلبي، وإما أن تكون في الاتجاه الإيجابي. فالمجتمعات والحضارات تمتلك إرادتها الإنسانية، وهي الإرادة الموهوبة لهذا الإنسان من الله سبحانه و تعالي، ولكن هذه الإرادة ليست طليقةً ولا حرةً على الإطلاق؛ تُقيّدُها قوانينُ كونيةٌ، وتقيدها قوانين في المساحة الاجتماعية.
المساحة الاجتماعية لها قوانيها، كما أن للمساحة التكوينية قوانينها، وحركةُ الإنسان عليها دائماً أن تحاسب لهذه القوانين، وأن تصوغ ذاتها في ظل هذه القوانين، وهي لا تستطيع أن تتفَلّتَ من قانونٍ إلا بحمايةٍ من قانونٍ
[١] سورة القصص: ٥٩.
[٢] سورة الرعد: ١١.