الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٠٤
وتبلور مع كلّ تحولات البدن، ويبقى الإنسان يعرف ثبات ذاته الإنسانية، ووحدة شخصيته العائدة للروح في كلّ أدوار حياته حتى لو تلف من البدن ما تلف، ورضاه عن هذه الذات لو وجدها نقية مشعة عارفة مهتدية، واعتزازه بها لا يتأثر بما يعانيه من نقص في بدنه.
تبقى أنت الكريم في ذاتك، الحقيق بالعزّة في نفسك، المحترم في تقييمك، الأكبر من المادة السامقة التي تعظمُّك وتكبِرُك حين تجد من نفسك الروحَ المشعة، حين تجد من نفسك النيةَ الصالحة، حين تجد من نفسك التطلّعات الخيرة، حين تجد من نفسك روحاً لا تعطي إلا الخير، وتتأبّى أبداً أن يصدر عنها شر.
هل أنا بدن؟ هل أنا روح؟ لي وجدانٌ يميّز أني لست بدناً خالصاً، ولست روحاً خالصة في هذا الوجود، ولكني في معناي الذي يمكن أن يكون محترماً، في معناي الذي يمكن أن يكون أكبر من الجبال الشوامخ، ويمكن أن يكون مستحقا لأن تُسخّر له السماوات والأرض، لست هذا اللحم والدم والعصب، إنما أنا روحٌ إذا كانت تلك الروح موصولةً بالله.
هذا الإنسان الكريم هو الروح إذا كانت تلك الروح موصولة بالله، هو القلب إذا كان ذلك القلب عارفاً بالله، هو القلب إذا كان ذلك القلب ذاكراً لله. وليس خفيا أن نعرف من أنفسنا الإثنينية الواضحة بالوجدان، فمن ضعف في بدنه بعد قوته، بينما زاد في عقله، وطُهرِ روحه، ونقاء سريرته، ومعرفته بالهدى وتمسّكه به، وبغضه للباطل، وانشداده للفضيلة، ونفوره من الرذيلة، وتم استيقانه بربّه، وكل الحق من عنده تراه يعرف من نفسه ذلك الضعف، وهذه القوة، وأن مركز ضعفه مباين لمركز قوته، وأنه لا يهون في نفسه بذلك الضعف، ما دام يجد من نفسه الإنسان القوي في إنسانيته.
وكذلك من عرضته القوة في البدن بعد الضعف، والوهن في الجانب