الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١١
تابعٌ لله سبحانه و تعالي في الخالقية والتغيير والتطوير النافع لنفسه ولغيره، وفي تحقيق العدل والإحسان والرحمة والخير في الأرض.
الإنسان مهيّئٌ لأن يجاري الله عز وجل مجاراةً عمليةً محدودةً وبفيض من الله سبحانه و تعالي في التزين بأسماء الله الحسنى حسب ما يطيقه وجوده المحدود، وفي حيثيات معيّنة، وجهات مخصوصة، أمّا أسماءٌ لله حسنى فيستحيل على الإنسان أن يتزيّن بها كالقديم والدائم.
«الَّذِينَ إِنْمَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوابِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ[١]» هذا دور الإنسان في التصوير القرآني. إقامة الصلاة توجّه خالص من الذات الإنسانية لله يربّيها ويصوغها ويصنع خيرها وكمالها، والصلاة مصنعٌ للذات الإنسان تصنعة صناعة سامية عالية، تولد فيه القوة الخيرة، وترفع من مستواه، وتجعله على الطريق الصحيح، تسمو به، وتعطيه الغنى، وتنقله من ضيق النظرة إلى سعة الرؤية، ومن الشعور الخانق إلى الشعور الفسيح، هذا الدور البنّاء؛ دور الإعمار والصناعة للذات الإنسانية تقوم به الصلاة وعلى الإنسان أن يمارس الصلاة ليصنع ذاته.
وإيتاء الزكاة دورٌ بنّاءٌ آخر يقوم على العطاء، وحبّ الخير، والفاعلية القويمة الكريمة في الحياة، فمن دور الإنسان أن يعطي، أن يفيض؛ والله عز وجل هو المعطي المفيض بالأصل، والإنسان في الأرض محاولته الجادة الصحيحة أن يتحلّى بأسماء الله الحسنى ما استطاع، فحتّى يتربى الإنسان على العطاء عليه أن يستغني ما استطاع أن يستغني، وعليه أن يُعطي ما استطاع أن يعطي لكي يكون مفيضاً في الأرض خيرا وبركة وهدى.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو دور بَنّاء آخر يصنع الأوضاع الإنسانية الصحيحة سليمةً من آفة الانحراف ويقوّمها كلما عرضها شيء من
[١] سورة الحج: ١٤.