الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٠
الأخرى فهناك حقائق لابد أن تقع في مقدمة اهتمام الإنسان وعنايته وتذكّره، فبعد تفاوت الحقائق وزناً وتأثيراً وقرباً وحضورا، لابد أن يأتي بعضها قبل بعض اهتماما وعناية وتذكّراً وتركيزا.
٢. وما هو ميزان تقدم حقيقةٍ على غيرها من الحقائق في اهتمام الإنسان، في عنايته، في تذكره، في تعامله؟
الحقيقة التي يأتي تأثيرها غير مشروط على الإطلاق، ولا يقع في طريق تأثيرها أي شيء، وجدت الأشياء، أو انتفت الأشياء، وافقت الأشياء أولم توافق على هذا التأثير فهو قائم. تلك الحقيقة التي لها تأثير عليك تأثيرا مباشرا غير مشروط بوجود شيء، غير مشروط بموافقة شيء هي أولى الحقائق حضورا في قلبك، في وعيك، في سلوكك، في اهتمامك.
وكلما قربت الحقيقة وقلّت الوسائطُ بينها وبين التأثير كلما لزم أن تنال منك اهتماما أكبر وعناية أكثر.
ودوام التأثير يختلف عن التأثير المنقطع. حقيقةٌ تمتلك تأثيراً منقطعاً عمره لحظةٌ وينتهي، غير حقيقةٍ يدوم تأثيرها في حياتك، في حاضرك، وفي مصيرك.
وإذا كانت الحقيقة لها انقطاعٌ في التأثير عليك ولكنّ مدة تأثيرها تطول وتطول، تبقى كثيرا، تمتدّ امتداداً بعيداً، كالآخرة التي تأثيرها منقطعُ الأوّلِ ولكنّه دائم الآخر؛ فهي حقيقةٌ حسابها كبير والاهتمام بها بالغ.
الآخرة لا تبدأ الآن، تمرّ عليك ستون سنة، تمرّ عليك مئة سنة، وكنت عَدَماً قبل هذه الحياة لكنّ الآخرة لما تبدأ لن تنقطع، فالآخرة بالقياس إلى الدنيا حقيقةٌ لابدّ أن تنالَ اهتمامك بدرجةٍ أكبر، وأن تنال عنايتك بدرجةٍ أكثر.
أما الله تبارك وتعالى فهو الحقيقة الدائمة، الحقيقةُ الأبدية الأزلية، والله عز و جل هو الحقيقة التي لها تأثيرٌ على الكون كله بلا شرط وعلى الإطلاق، فلا اهتمام ولا تذكر ولا عناية أكثر من الاهتمام والعناية والتذكر لله سبحانه و تعالي،