الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٥
القدرة على الترك والفعل، فكل النواهي- ما كان منها على مستوى الكراهة، وما كان منها على مستوى التحريم- فإنها تخييرية، أي: أنا بما أنا إنسانٌ قد أعطاني الله عز وجل الإرادة، وأعطاني اليد التي تتحرك، والعين التي تبصر، والجوارح الأخرى، وأعطاني كلّ الظروف التي تمكنني من الفعل وعدمه؛ فأنا مختار، والاختيار هو أرضية التكليف وأرضية الجزاء من ثواب ومن عقاب.
من جهة أخرى نجد أن القرآن الكريم لم يحمل تعليمات طبيّة صريحة في كلّ الموارد تمثل تحذيراً من الأمراض الخطيرة، لم يأت التحذير من السرطان في القرآن الكريم والأخذ بأسبابه، لم يأت التحذير من السلّ ومن أسبابه، التحذير القرآني لم ينصبّ بشكل واضح وجليّ ومركّز إلا على خطر الآخرة.
نعم، في القرآن قواعد صحية، في القرآن قواعد حياتية تمثل منهجاً إلهياً للنجاة في هذه الدنيا والسعادة فيها، لكن التركيز في التحذير إنما نجده على أخطار الآخرة. لماذا؟ الإنسان هنا مدفوع بأن يهتم اهتماما بالغاً بصحته، وقد أعطي العقل للبحث والاستقصاء في أسباب ما يشفي مرضه، وما يمرض جسمه، وما يقيه الأمراض. الإنسان أعطي عقلًا يمكن أن يتحرك به في هذه الحياة ويبني حياته من خلال جهده العقلي، ومن خلال تجربته وخبرته. ولو لم يكلف الإنسان بأن يقيم حياته بيده، وأن يتقدم بها بيده، لملّ الإنسان وسَئِم.
لكن العقل الفعال في قضايا الحياة، وفي قضايا العلم الذي يرتبط بالحياة، والصحة التي ترتبط بالبدن، هذا العقل لا نجده قادراً على أن يقضي بأمرٍ في مسألة الغيب. نعم، العقل يطلُّ بك على الغيب، يعطيك إيماناً بالغيب، أما تفاصيل الغيب فيقف العقل عاجزاً عن أن يقضي فيها. نحن لا نرى خطر الآخرة. نحن نرى المرض وصعوبة المرض، نرى الموت فنتوقَّى منه، نرى السقم الفتاك الذي يمثل معاناة لصاحبه، ولذلك نطلب كلّ الوسائل التي نستطيع أن نفرَّ بها من المرض، نفرّ بها من الفقر، نفر بها من المعاناة، أما خطر