الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٢٩
«وَ اللَّهُ مَعَالصَّابِرِينَ [١]» مع ما في الإنسان من ضعف خلقة لشهواته، وضغطِ ما كان ماديّا من دوافعه وغرائزه يأتي عليه ضعفٌ زائدٌ بإهمال نفسه، وتسيّبه، وعدم أخذه بالجد في تربيته، وهو ضعفٌ متنامٍ مع الأيام ما دام لا يجاهد النفس، ولا يقاوم الضعف، ولا يبني جانب الإرادة الصالحة في ذاته.
وقد يَقوى بإيمانٍ، وجهادٍ، وعملٍ صالح، ومقاومةٍ لروح الانحطاط والتسيّب، ثم يتراخى ويلين ويقل استمساكه بالمنهج القويم فيطرأ عليه ضعفٌ بعد القوة، ووهنٌ بعد الشدة، ويفقد من درجة تحمُّله، وقدرته على النهوض بأعباء المسؤولية، وثقل التكليف ما يفقد. فلقد كان المؤمنون في أوج إيمانهم، وسمو روحيتهم، وصلابة استمساكهم بمنهج الله الحق، وما يعطيهم ذلك من صبر وصمود وثقة كبيرة وإصرار صاعدٍ، العشرون منهم يغلبون مائتين، والمئة يغلبون ألفا من الكافرين، فالواحد من أهل الإيمان في درجة عالية منه يفوق قوة صلابة، وصمود، وشجاعة نفسية، وإقدام، وروح تضحية وفداء عشرة ممن كفروا، وهو في درجة أخرى دون تلك لا يفوق إلا اثنين حتى يغلبهم.
فالإنسان يفقد من قدرته على مواجهة التحديات على مستوى نفسه وعزيمته، ومقاومته الداخلية، ويصيب الضعف إرادته وصموده بقدر ما ينفصل عن خط الإيمان، أو يفترُ في جهاده الشعوري والعملي على هذا الخط.
والإنسان قبل التربية الصالحة أو الطالحة فيه- كما تقدم- ما يهزمه من شهواته ودوافعه المادية، وميوله وغرائزه الأرضيّة. والتربيةُ السيئة، والحضارة الماديّة المنحطّة تزيد ضعفه ضعفاً، وتسبب له التميُّع والاهتراء في حين أن التربية القويمة وحضارة الإيمان النّابِهِ تُخرجه من الضعف إلى القوة، ومن الظلمات إلى النور، وتحميه من الانهيار أمام تحدي المثيرات المادية، وضغط الدوافع والغرائز الطينية،
[١] سورة الأنفال: ٦٦.