الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٣١
«قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةًيَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [١]» هذا الإنسان تقلِّبه يدُ القدر، وتنقله من حالٍ إلى حالٍ من دون أن يملك اعتراضاً، ومن دون أن يكون له شأنٌ في تقرير مصيره من ناحية الضّعف والقوّة المفروضة عليه تكوينا.
نعم، هناك مساحة من الأختيار يدخل فيها فعل الإنسان في صنع قوته وضعفه وهي بتقديرٍ من الله ومملوكةٌ له.
ألم يكن الإنسان من نطفة؟ ألم يكن الإنسان في خلقته الأولى واهناً كلّ الوهن، وحتى بعد تقدّمٍ تجده قابعاً في رحم أمه، مستسلماً خاضعاً خانعاً لا يملك حراكاً، وهيئته تنطق بالذُّل والمسكنة والاستسلام الكامل «وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً[٢]»
٢. على المستوى النفسي:
والإنسان على المستوى النفسي ضعيف وهو ما يهمّنا في هذا المورد
«إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَهَلُوعاً» «» إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً «» وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً [٣].» الإنسان قلِقٌ، مضطرب، مهزوز، وكيف لا يكون كذلك وهو الفقير في ذاته، وهو الذي يُملك عليه كلّ وجوده وحياته.
قاسم، عيسى احمد، الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان، ١جلد، مركز المصطفى (ص) العالمي للترجمة و النشر - قم - ايران، چاپ: ١، ١٤٣٧ ه.ق.
«إِذا مَسَّهُ الشَّرُّجَزُوعاً» يخاف من الفقر، يفزع، يجزع، يفقد صبره، يزداد اضطرابه، لا تهدأ له نفس، وقد مسّه الفقر، مسّه المرض، قرُب أجله، حلّت به الكوارث والنوائب.
«وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُمَنُوعاً» لأنه لا يملك ولا يضمن من نفسه خيراً جديداً فوق ما عنده من خير لو أعطاه. هذا هو الإنسان محكومٌ لمشاعر، لدوافع،
[١] سورة الروم: ٥٤.
[٢] سورة النساء: ٢٨.
[٣] سورة المعارج: ١٩- ٢١.