الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩٢
ليردهم إلى الطريق؛ طريق النجاة، والله غني عن العالمين. الله محتاج إلى فرعون؟! إلى قوم فرعون؟!
أحيانا يكون في المحن رحمة. من المحن ما هو عقوبة، ومن المحن ما هو درسٌ تأديبيٌ يعود بالعبد إلى ربّه الكريم. [١]
ما ينزله الله سبحانه و تعالي بعباده من نقص في المال، من نقص في الولد، من كوارث، مرّة يكون عقوبة وكسراٌ لغرور هذا الإنسان، ولئلا يُضِلّ من الناس كثيراً، لأنه لو استمرّ للطغاة نِعَمٌ تعطيهم الانتفاخ وتعطيهم الانتفاش من غير أن يمُسهم سوء أبداً ربّما تألّهوا في نفوس الكثيرين فأضلّوا أجيالا من الناس يريد الله عز وجل لهم الهداية.
فتأتي من هذا المنطلق دروسٌ إلهيةٌ لا تنفع هذا الطاغية وإنما تُنقذ غيره من الوقوع في الغرور به، وهناك دروس أخرى وآيات أخرى تأتي لهداية الضال العاصي نفسه وردّه للطريق، ولو استمرت له عطاءات الخير، وتدفّقت عليه نعم الله دائما بلا بلاء لكان من أهل النار، ولكن لأن الله سبحانه و تعالي يريد بهذا الإنسان رحمةً يُنزل عليه من البلاء ما يُنقذه ويجعل نفسه من بعد ضلالها مهتدية.
ووجه آخر لثلمةٍ في بعض النعم، لشيء من البلاء الإلهي يأتي على إنسانٍ أو أمة، وهو أن تقام على هؤلاء العصاة الحُجّة، فقد يقول بعض العاصين:" ربنا إنك أعطيتنا فطرة، وجعلت لنا من هدايات الرسل، وهدايات الكون ما يكفي ولكن النفس أمارة بالسوء والإغراء والاستغراق في النعم قد ينسي". فيأتي الدرس القاسي ليوقظ، فحتى لو لم ينفع مع هذه النفس إلا أنه يكون حجّة مضافةً جديدة عليها.
فهذه الآيات ترجع بالنفس إلى الواقع، وإلى الحقيقة، وتخلّصها من
[١] خطبة الجمعة (١٥٥) ١ ربيع الثاني ١٤٢٥ ه-- ٢١ مايو ٢٠٠٤ م