الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨٦
العمى الكامل حقاً. النفس في الصورة الثانية اشتهت القبيح عن الجميل، ووقفت عند النقص عن الكمال.
في الكلمة الأخرى:
«إِنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌخَطْمَهُ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَنَسَ وَإِنْ نَسِيَ الْتَقَمَ قَلْبَهُ فَذَلِكَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ». [١]
خطم الحيوان: مقدّم فمه وأنفه [٢]، فيصوّرُ الشيطانُ هنا وكأن له فماً وأنفاً، هذا الفم والأنف يضعه لصيقاً بقلب الإنسان لا يفصله بينه وبين قلب الإنسان فاصلٌ إلا من قدرة الله سبحانه و تعالي، فإذا ذكر هذا العبد الله سبحانه و تعالي خنس الشيطان، اختفى اندحاراً [٣] حيث جاء ما يطرده، لأنه بالذكر يصيبه اليأس من استجابة العبد له فكأنه يفقد موضوع وظيفته في هذه اللحظة، يفقد الأمل تماماً في أن يؤثر على هذا الإنسان، فماذا يفعل؟ يفعل أن يخنس، أن يختفي، أن يندحر.
وإذا نُسي الله من قلب هذا الإنسان التقمه الشيطان، وقلب يلتقمه الشيطان ماذا يفعل به؟ الشيطان يلتقمه التقاماً معنوياً، يغمره في الظلمة، لا يبقي منه قدرة على الاستضاءة والاستنارة، يستبدّ به ليجعله قلبَ حيوانٍ، قلباً كفوراً، قلباً جَحُوداً، قلباً مُظلماً. فذلك الوسواس الخناس، وأنت تقول:
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِالرَّحِيمِ» «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ مِنْشَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ [٤]»
أنت تستعيذ من وظيفة الوسوسة، وتريد أن يخنس الشيطان. فأنت إما أن
[١] بحار الأنوار، المجلسي، ج ٦٠، ص ١٩٤.
[٢]" الخَطْم: خَطْم الدابّة، و هو ما وقع عليه الخِطام من أنف البعير. ثم كثر ذلك حتى قيل: خَطْمُ السَّبع و خَطْمُ الفَرَس؛ و سُمِّيت الأنوف المَخاطم، الواحد مَخْطِم؛ يقال: ضربه على خَطْمه و مَخْطِمه، إذا ضربه على أنفه." جمهرة اللغة، ج ١، ص ٦١٠.
[٣]" الانقباض و الاستخفاء." كتاب العين، ج ٤، ص ١٩٩.
[٤] سورة الناس: ١- ٤.