الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٥
يخسره من إنسانيته، ويفقده من معناه، ويعتريه من نقص في قيمته بالقياس إلى ما عليه واقع تكوينه وفطرته. تقول الآية الكريمة:
«كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْكانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَ أَكْثَرَ أَمْوالًا وَ أَوْلاداًفَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولئِكَ هُمُالْخاسِرُونَ [١].» المخاطبون للآية الكريمة فيما يظهر الكفارُ ومنافقو ومنافقاتُ هذه الأمة.
«الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَ يَنْهَوْنَعَنِ الْمَعْرُوفِ وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّالْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ [٢].» وما خاض فيه هؤلاء هو عداوة القيم السماوية الرفيعة ومواجهتها وهؤلاء، وهم أصحاب الاتجاه المادي، يستمتعون بنصيب من المادة يكون لهم في الدنيا ولكن أعمالهم محبَطَةٌ لا تغني يوم القيامة حيث النّظر إلى الروح والمعنى لأنها تهدم صاحبها ولا تبنيه، وذاته خاسرة تفقد من خير غَنَتْ بها فطرتها، ويلمُّ بها نقصٌ شديد.
وفي معرض الحديث عن قوم عاد، وحضارتهم من حضارة الطين، وفي خطاب للكفار زمن القرآن يقول الكتاب الكريم:
«وَ لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْفِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَ جَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَ أَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَ لا أَبْصارُهُمْ وَ لاأَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ حاقَبِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [٣].» السمع والأبصار نوافذ الإنسان على العلم، والأفئدة مصنع المعرفة ومركز الإدارك والتقدير والتدبير والحكمة، وهي مواهب الله في الفطرة، وكلها فاقدةٌ لقيمتها العالية ودورها الكبير في صناعة الإنسان السويّ ونموه وكماله ونضجه وهداه، وإثراء إنسانيته، وتوسيع أفقها بفعل جاهلية حضارة الطين، مع التمكين المادي، وبلوغ القوة المادية ما بلغت. فالباطل يمكن
[١] سورة التوبة: ٦٩.
[٢] سورة التوبة: ٦٧.
[٣] سورة الأحقاف: ٢٦.