الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٨
الطّين، فكان أسفل سافلين. بلا رشدٍ ولا حكمة، ولا هدىٍ ولا نور، ولا هدفٍ كبير ولا نيةٍ صالحة، ولا تطلّعٍ واسع، ولا رؤيةٍ فسيحة، ولا خُلُقٍ كريم، ولا عملٍ صالح، ولا تقديرٍ له صائباً، ولا تسليمٍ فيه بالحق «ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ» و كأنه عاد حيوانا مفرّغا من كل ما تغنى به إنسانية الإنسان القويم، بل من الناس و الجن من يكون أكثر بعدا عن الإنسان في هداه و طهره و سموه من الحيوان، و هؤلاء الذين هم أكثر انحدارا من الحيوان بكثير «وَ لَقَدْ ذَرَأْنالِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَبِها وَ لَهُمْ» «أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَبِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ[١].»
«وَ الْعَصْرِ (١) إِنَّالْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِوَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) [٢].» عدا من استثنتهم الآية الكريمة الأخيرة يُقسم الله سبحانه أنهم في خسر. هذا الخسر يبدأ فقداً في وزن إنسانية الإنسان، ومقدار هداه، واستعدادات صلاحه، وقدرته على الاستقامة، وقبوله للحق، ورضاه بالعدل، وأخذه بالهدى، ونقص زكاة في فطرته، ونقاء في روحه.
وهذا الخُسران مستتبعٌ لخسران الرضى والاطمئنان والأنس بالله في الحياة، وإمكان إقامة المجتمع السعيد في الدّنيا والألطاف الإلهيّة الممنوحة للصالحين فيها وجميلِ موعود الله في الآخرة لمن ارتضى. فالإنسان أول ما يخسر بإدباره عن ربِّه يخسر من ذاته ومن جماله وكماله ونوره وهداه، ليخسر ثانياً لذة روحه في الحياة وبعد الممات، ويعيش متاعب ضياع الروح في الدنيا وشقاء الآخرة.
وأمَّا متعة الكافر في هذه الحياة فمتعة بدن، ولذّةُ حيوانٍ لا استقرار لها ولا مقام، وبعض الحيوان أغزر منه لذةً في جانب البدن، وأغلط شهوة، وأكثر تمّكثاً في هذا التمتع. [٣]
[١] سورة الأعراف: ١٧٩.
[٢] سورة العصر.
[٣] من خطبة الجمعة (١٦٨) ١٦ شعبان ١٤٢٥ ه-- ١ اكتوبر ٢٠٠٤ م.