الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٦
أن يُقيم حضارة ماديّة ضخمة ولكن بلا إنسانيةٍ شامخة، وإنما الإنسانية في ظل هذه الحضارة هابطةٌ منسحقةٌ مضيَّعة، وهي بقدر ما تتعملق في الخارج، وتتركز قيمها في نفس الإنسان تأكل من معناه وإنسانيته، وتهبط بمستواه من حيث هو روحٌ كريمةٌ، ومشاعر طاهرة، وعقل حكيم، ومضمونٌ سّامٍ خالد بإذن الله.
وهذه طائفة من الآيات الكريمة الأخرى في هذا الموضوع:
«أَ لَمْ يَرَوْا كَمْأَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْنُمَكِّنْ لَكُمْ وَ أَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَ جَعَلْنَاالْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ [١].» حضارة مادية قوية، وغنىً باذخ، وثروةٌ زراعية متقدمة لكن إنسانها مذنب ذنباً لا يستحق معه الحياة عند الله، ومجتمعها ساقط سقوطاً لا يصلح معه للبقاء. والإغراق في الذنوب، والوغول في الخطايا هو غاية الوهن، وضعف الشخصية الإنسانية وانحلالها.
«أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍآيَةً تَعْبَثُونَ [٢]» تقدمٌ عمراني، وفنٌّ مادّي راقٍ، وقوةٌ على الأرض لكن وراءها إنسان مضيّع للهدف، خاوٍ من القيم، يقوده العبث، وينفق العمر والفكر والنشاط في ما هو ضرب من ضروب التَّلهي الذي لا يقع خطوة على طريق الغاية الكبيرة النبيلة المربحة. ذلك أن المنطلق ماديٌّ لا يلتفت إلى الروح، وجاهليٌ منفصل عن الله.
«أَ تُتْرَكُونَ فِي ماهاهُنا آمِنِينَ» «» فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ «» وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ «» وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ «» فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ «» وَ لا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ «» الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ [٣].» مجتمعٌ أقام حضارته المادية مفصولةً عن هدى الله، غير آخذ بمنهجه، ولا مستقيمٍ على طريق تقواه، منساقاً وراء قيادة غير مؤمنة، مسرفةٍ على نفسها، متجاوزةٍ لحدِّ عبوديتها، مستكبرة
[١] سورة الأتعام: ٦.
[٢] سورة الشعراء: ١٢٨.
[٣] سورة الشعراء: ١٤٦- ١٥٢.