الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٧
على بارئها ومدبّرها. إنسان هذا المجتمع فقد الصلاح في نفسه، وملَّك الفساد داخله، وأُعطبت إنسانيته بماديّته فكان دوره الإفساد، ونشاطه للخراب، وناتجه التشويه لرسالة الحياة، وهدف الوجود.
وواضحٌ أن إقامة حضارةٍ مادية باذخة على الأرض فيها إسقاط الإنسان، وإطفاء نور الفطرة في داخله، وتفريغه من جماله المعنوي، وإقبار قابلياته الإنسانية الخيرة لا يُعدُّ إصلاحاً، ولا يُعقِبُ فلاحاً ولا نجاحاً. فالمنحدِر عن خطّ الله، وهو مسرفٌ جزماً، مفسدٌ لا مصلح «الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ. [١]»
«أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَرَبُّكَ بِعادٍ» «إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِيالْبِلادِ وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وَ فِرْعَوْنَ ذِيالْأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَفَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ [٢].» هؤلاء أقوام أشادوا ألواناً من حضارة المادة متفوِّقةً على الأرض، على منأىً من قيم السماء فانطمست معالم الهدى والنور في ذواتهم، وخسروا الحكمة والبصيرة فكان أن طَغوا وأكثروا في البلاد والعباد الفساد، وكانوا وراء الظّلم والضّلال في الأرض حتى صبَّ عليهم ربُّك سوط عذاب.
«وَ التِّينِ وَالزَّيْتُونِ» «وَ طُورِ سِينِينَ وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَاالْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّاالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ[٣].» خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، ومعادلةٍ تكوينيةٍ تضعُه على طريق سعادته، وتُبلِغُه غايته بشرطِ حُسنِ إرادته فانقسم فريقين؛ فريقٌ نما وزكا وسما، وزاد نوراً ورشداً وهدى بأن انشدّ إلى منهج الله وأقام حياته على هداه «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ.»
وفريق انحدر عن الصراط، وراهن في حياته على الأرض، وانكبَّ على
[١] سورة الشعراء: ١٥٢.
[٢] سورة الفجر: ٦- ١٣.
[٣] سورة التين: ١- ٦.