الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨٤
تقول الكلمة عن أمير المؤمنين (ع):
«تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَالْوَقْرَة» [١]،
فهناك قلوبٌ لا تسمع. هي قلوب الأنعام، تسمع أصواتاً لكن لا تهضم مَعانٍ، لا تتمثل القيمَ، لا تنفعل بالحقيقة، لا تهتدي بالمضمون، هذه قلوب بشرٍ تصمّ، ويصيبها الصمم من وقرة الباطل. والغناء وقرة، واللهو وقرة، ومجالسة أهل الباطل وقرةٌ تمنع أذن القلب أن تسمع.
«إِنَّ اللَّهَ سبحانه و تعاليجَعَلَ الذِّكْرَ جلاءً لِلْقُلُوبِ تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ وَ تُبْصِرُبِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ» [٢]،
ونحن على درجاتٍ من رؤية العين الحسية، وعلى درجاتٍ من رؤية عين القلب، على درجاتٍ من السمع، وعلى درجاتٍ من البصر الماديين، وعلى درجاتٍ من السمع والبصر القلبيين، ومن أراد أن يعالج قلبه، لتنجلي سُحُبه، وترتفع وقرته، وتنتهي عشوته وعماه، فليذكر الله.
ويقول عليه السلام:
«وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَالْمُعَانَدَة» [٣]
القلوب تنقاد بجلاء الذكر لها للحقّ معاندتها ومكابرتها له حيث إنها صارت ترى نوره، وتعشق بعد عافيتها جماله. [٤]
«ذكرُ اللَّه شِفَاءُ القُلوب». [٥]
تمرض النفس والقلب بالعمى والصمم والعناد والمكابرة للحق، وإهمال الشكر لله، وتطاول الشعور بالغرور عليه سبحانه و تعالي، يمرض القلب بحيث لا يعرف حقا من باطل، أو يعرف الحق فلا يتبعه، ويعرف الباطل فيأخذ به.
لو التفتنا فإن مرض القلب هو مرضُ أهمِّ ما فينا، وما به معنانا، وما ترتبط به سعادتنا وشقاؤنا، أترى أن مرض القلب كمرض اليد؟! أترى أنه لو شُلّ القلب كما تُشل اليد؟! أين شللُ يدٍ قد تنفق كلّ ما في يدك من أجل أن
[١] نهج البلاغة، الشريف الرضي، (صبحي الصالح)، ص ٣٤٢.
[٢] نهج البلاغة، الشريف الرضي، (صبحي الصالح)، ص ٣٤٢.
[٣] المصدر.
[٤] خطبة الجمعة (١٥٨) ٢٢ ربيع الثاني ١٤٢٥ ه-- ١١ يونيو ٢٠٠٤ م
[٥] عن رسول الله صلى الله عليه و آله. نهج الفصاحة، پاينده، ابو القاسم، ص ٤٩٣.