الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨١
يموت الحبيب، يمرض الولد، تكثر المشاكل، يشتدّ المرض، ولا تلجأ لشيء يكشف عنك كربك من صديقٍ ولا حبيبٍ كالله سبحانه و تعالي، بل لا دافع، ولا مانع، ولا رافع إلا هو، والصدر لا يضيق مع ذكر الله، وما ضاق صدر إلَّا وانشرح بذكره.
وعن الإمام علي عليه السلام
: «مُدَاوَمَةُ الذِّكْرِ قُوتُالْأَرْوَاحِ وَ مِفْتَاحُ الصَّلَاة» [١]
بدنك يجوع وروحك تجوع. روحك المتطلعة إلى الحق، المتطلعة إلى الهدى، المتشوفة إلى القوة، روحك وهي وعي، روحك وهي يقظة، روحك شعور، أمَّا البدن في نفسه فمَوَاتٌ بلا شعورٍ ولا إدراك. نعم أنت في روحك شعور، أنت في روحك إدراك، أنت في روحك وعي، أنت في روحك تطلعاتٌ بعيدة، أنت في روحك تشوّفٌ للحق والحقيقة.
ما جوع الروح؟
جوع الروح أن تفقد الحقيقة، أن تفقد اللَّجأ، أن تفقد الرّكن الشديد، أن تفقد المدد الدائم، أن تفقد الفيض الممطر المستمرّ، وكل ذلك تجده حين تذكر الله. فهي جائعة، هي سغبة، هي ظمآء حتى تذكر الله فينطفأ الظمأ، وتجد الشبع، إلا أنه شبعٌ يغري بطلب المزيد، ويدفع لتطلعٍ أكثر في لذة وفي سرور.
والذكر يصحّ أن يكون مفتاح الصلاة؛ لأن الداخل للصلاة بلا ذكرٍ لله ليس له إقبالٌ على الله، وصلاته هي صلاة الأموات والجماد. صلاة الأحياء صلاة امرءٍ أقبل عليها ذاكراً لربه، لعظمته، لجلاله، لجماله، لنعمائه، لكبريائه، لجبروته، لكماله. وإلا فكيف سيتأدب؟! وكيف سيقنت؟! وأي معنىً لركوعه وسجوده؟! وما هو المضمون الروحي الذي يستقيه من صلاته وقلبُه ليس فيه ذكرٌ لله؟!
والصلاة الحقيقية هي صلاة تعطي من كنوزها لصاحبها، والصلاة كلها كنوز، والصلاة كلها غنىً، والصلاة كلها ثروة. صلاتنا ما لم تبننا، وتصنعنا
[١] في ماوقفنا عليه من مصادر «مفتاح الصلاح». غرر الحكم و درر الكلم، ص ٧٠٩.