الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٨٠
أُعطيتَ دور الخلافة في الأرض، أُعدّت لك الجنان، أعطاك الله العقل، أعطاك الله المشاعر الروحية المشعّة، أراد لك موقعا كريما متقدّما جداً.
يريك نفسك لست أكثر من غنمة، تتلخّص الشيطان كيف يريك نفسك؟ حاجاتك في مأكل ومشرب، في تقمم وعلف، وفي أن يُكسى الظهر وتُقضى حاجة الفرج؛ هذه حاجات الغنم، وحاجات البقر، وحاجات الحمير. الشيطان ينسيك روحك، ينسيك عقلك، ينسيك أشواقك الإلهية، ينسيك تطلّعك الكبير إلى الخلود.
«وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَنَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [١]» عقوبة عظمى من الله عز وجل للشخص أن يُنسيه نفسه الإنسانية الكريمة فتهون عليه نفسه، ويسقط في نظره، وحين تسقط ذاتي في نظري، وتهون عليّ نفسي يمكن أن أبيعها بكل ثمن، ويمكن أن أبذلها رخيصة بلا ثمن. أما من عرف نفسه فلا يرضى لها الدنيا ثمنا، ولا يرضى لها أن تسجد لصنم من الأصنام، يأبى لها أن تسجد لغير الله سبحانه و تعالي. أما الذين هانت عليهم أنفسهم فيسجدون للصنم الأمريكي، ويسجدون للصنم البريطاني، ويسجدون لمن دون أولئك.
الله عزّ وجل لا يظلم أحداً، ولا يُنسي الله أحداً نفسه إلا بعد أن يَنسى الله، والعلاقة هنا علاقة تكوينية، علاقة سبب ومسبَّب، حال تنسى الله تنسى نفسك. بمقتضى الترابط التكويني، ومقتضى القضية العلّية بين ذكر الله وذكر النفس أن من نسي الله نسي نفسه.
النفس من أين تستمدّ شعورها بالعظمة، بالعزة بالكرامة بالقيمة؟ من شعورها بالانتماء إلى الله العظيم، فحين يجد أن معبوده بقرة، أو أن الكون وُجد صدفة، وأن هذا الكون وجود مبتسر، وأن لا نظام أو لا منظّم لهذا النظام، وأن لا كبير في الكون، وأن كلّ شيء حادث، وكل شيء سيموت،
[١] سورة الحشر: ١٩.