الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٩
عالية، ومنه ما هو مرتبة أعلى. فعن الصادق عليه السلام:
«الذِّكْرُ ذِكْرَانِ ذِكْرٌخَالِصٌ يُوَافِقُهُ الْقَلْبُ وَ ذِكْرٌ صَارِفٌ يَنْفِي ذِكْرَ غَيْرِه» [١].
هناك لقلقة لسانٍ لا تعدّ ذكرا، وهناك درجة من الذكر تنفي ذكر غير الله، ولا تمثل ذكراً حقيقياً لله، ولكن تمثل نوعاً من الاتجاه الإجمالي الضبابي الغائم لله سبحانه و تعالي؛ هذا الذكر وإن لم يمثّل ذكراً حقيقياً لله سبحانه و تعالي إلا أنه يصرف عن ذكر غيره، وانصراف القلب عن ذكر غير الله فيه درجةٌ من النجاة ويُبقي القلب مستعداً بدرجة أكبر لذكر الله سبحانه و تعالي.
أما إذا حلّ ذكر غير الله محلّ ذكر الله في القلب فهنا الخطر الشديد.
أما الذكر الآخر فهو ذكر يوافقه القلب، يعيشه القلب، يحيا به القلب، يرى به القلب الرؤية الحقيقية، القلب فيه موصولٌ بالله سبحانه و تعالي، يتغذّى ويتربّى، ويتزكّى على ذكر الله وأسمائه الحسنى، يستمدّ ثقته، يستمد طمأنينته، يستمد قوّته، يستمد معناه الكبير من ذكره لله سبحانه و تعالي.
ثمّ في حديث آخر عن علي عليه السلام:
«لَا تَذْكُرِ اللَّهَسُبْحَانَهُ سَاهِياً وَ لَا تَنْسَهُ لَاهِياً- بلاذكر أصلا- وَ اذْكُرْهُذِكْراً كَامِلًا يُوَافِقُ فِيهِ قَلْبُكَ لِسَانَكَ وَ يُطَابِقُ إِضْمَارُكَإِعْلَانَكَ وَ لَنْ تَذْكُرَهُ حَقِيقَةَ الذِّكْرِ حَتَّى تَنْسَى نَفْسَكَ فِيذِكْرِكَ» [٢].
حين يذكر العبد المخلص لله سبحانه و تعالي أو الذاكر ذكراً حقيقياً لله سبحانه و تعالي فهو لا يرى إلا شيئاً واحداً؛ يرى الله سبحانه، يرى العظمة الحقيقية، يرى الكمال المطلق، الفاعلية الواحدة الشاملة، الإرادة الواحدة الطليقة، العلم الواحد المستوعب، الحياة الواحدة الكاملة، الجمال الواحد غير المحدود، أمّا ذاته فينسلخ في ذكره عن ذكره لها، ذلك لأن شيئيته إنما تمثّل ظلا وانعكاسا
[١] بحار الأنوار: ج ٩٠: ص ١٥٩.
[٢] تصنيف غرر الحكم و درر الكلم، الآمدي، ص ١٨٩.