الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨٣
«ذِكْرُ اللَّهِ قُوتُالنُّفُوسِ وَ مُجَالَسَةُ الْمَحْبُوبِ» [١]
أنت إذا جلست إلى محبوبك من أهل الدنيا أنست برؤيته، وماذا تريد من حضور محبوبك، وحضورك عنده؟! أنسك برؤيته، تلذذك بكلماته، ما يعكسه هذا المجلس على قلبك من طمأنينة، من ارتياح. السعادةُ كلّ السعادة، الطمأنينة كلّ الطمأنينة، الشعور بالقوة، الشعور بالمَنعة، الشعور بالعزة، الشعور بالكرامة، الشعور بالحماية، الشعور بالامتداد، الشعور بالغنى وعلى أتمه وبأعلى درجةٍ من درجاته يكون من فيض الله سبحانه و تعالي على عبده عند ذكره.
إنك بذكرك لله سبحانه تجلس إلى محبوبك الذي تجد فيه كلّ مبتغاك من عزةٍ وكرامةٍ ومَنَعةٍ وقوةٍ وأنسٍ وحمايةٍ، وكل ما تشتهيه النفس المستوية المتعلقة بالحق. وأنت في مجلسك لله لا تشتهي باطلًا، ولا تشتهي سوءاً، ولا تشتهي عدوانيّة. إنما الجالسون لله يشتهون من موائد الله، وليس من موائد الله إلا الخير والحق.
«الذِّكْرُ جَلَاءُالْبَصَائِرِ» [٢]
لماذا لا نستوعب الدين؟! لماذا لا يلامس الدين أفئدتنا؟! لماذا لا يصوغ لنا الدين ذواتنا؟! لماذا لا نأنس بالدين ونشعر بلذته؟! لماذا يبعد عنا الله عز وجل في الفهم، وفي الوجدان؟! ذلك لأن البصيرة علاها ما علاها من غبارٍ ومن ضلال ومن قذارات، ومن أراد أن يجلو مرآة قلبه، ليجد الله دائماً معه، وليشعر بلذة مجالسة الله عز وجل، فليذكر الله، وعندئذ ستصح بصيرته، سينفذ بصره، سترتفع كلّ الحواجز والستور، وهناك تتنور السّريرة.
«الذِّكْرُ جَلَاءُالْبَصَائِرِ وَ نُورُ السَّرَائِرِ» [٣]
إن الله سبحانه جعل الذكرَ جلاءاً للقلوب فكيف يجعل الذكرُ القلوبَ، وماذا يحصل للقلوب بجلاء الذكر لها؟
[١] غرر الحكم و درر الكلم، الآمدي، ص ٣٦٩.
[٢] غرر الحكم و درر الكلم، الآمدي، ص ٧٤.
[٣] المصدر.