الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨٢
أقوياء أطهاراً ليست بصلاة، ولا نكون بها من المصلّين حقاًّ وصدقاً.
عن الإمام علي (ع):
«فِي الذِّكْرِ حَيَاةُالْقُلُوبِ» [١]
ويوميّات السوق، ويوميات الثرثرة، ويوميات الدنيا، ويوميات زخارفها، وهذا التراكم الكبير في كلّ يوم من انعكاسات الدنيا وغرورها على النفس والقلب يُميت. فالقلب في كلّ محطةِ صلاةٍ يتزود زاد حياة، وينبعث من جديد، والقلب إذا كان يتزود من الصلاة خمس مرات، فإن له في الذكر الدائم زاداً دائماً، وحياةً مستمرة، وانبعاثاً متجدداً، ونمواً مطرداً.
وحياة القلب لها مظاهر؛ أن أشعر بعظمة الله، أكبر من عظمة أي شيء، أن أتحرك على خط الله. أتكون أفعالنا وردود أفعالنا دائماً منطلقةً من خشية الله وهيبة الله وتعظيم الله؟! قلوبنا تتعالى على مشكلات الحياة بما تجده من زاد الوصال بالله؟ القلب من هذا النوع قلبٌ ذاكر، والقلب من غير هذا النوع قلبٌ غير ذاكر.
القلب الذي يُكبِرُ الصغير، وينظر إلى الكبير صغيراً، القلب الذي ينصرف إلى شعاعٍ باهت، وكل خلق الله وإن عظم إنما هي إشعاعاتٌ على تفاوتها بالقياس إلى الله باهتةٌ قلبٌ غير ذاكر.
حيث يكبر الباهت على المضيء في القلب فهو قلبٌ مريض، وحيث يعمى القلب عن الله، عن جماله، جلاله، قدرته، فاعليته، إرادته، فهو قلب ميت. والقلب الذي يذوب لخسارة مالية، قلب منصرفٌ عن الله ميت، ولو كان ذاكراً لله لوجد في الله عوضاً عن كلّ خسارة.
«مَنْ ذَكَرَ اللَّهَسُبْحَانَهُ أَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ وَ نَوَّرَ عَقْلَهُ وَ لُبَّهُ» [٢]
تذكر الله سبحانه، يُحيي قلبَك، يُنوّر عقلَك، ولبّك، يجعلك الله واعياً، بصيراً. قلبك حيٌ شاعرٌ دفاق. الشعور بعظمة الله، والشعور بالسعادة من خلال الشعور بالصلة بالله، إنها فاعليةٌ مفاضةٌ من الله في طول ذكره.
[١] غرر الحكم و درر الكلم، الآمدي، ص ٤٧٦.
[٢] غرر الحكم و درر الكلم، الآمدي، ص ٦٤٤.