الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٢٨
بدن بقدر ما هو تقويم ذات معنوية إنسانية.
ولكن برغم طاقاته ومواهبه وهداياته وإنجازاته فيه ضعفٌ يحتاج معه إلى تربية صالحة، وحضارةٍ كريمة، ومنهجٍ قويم، يعالج فيه هذا الضعف، ويثير فيه عوامل القوة، وكوامن النهوض، وأسرار العظمة.
ولك هذه الآيات الكريمة عن ضعف الإنسان بعد التأكيد على قوّته:
«وَ لَقَدْ خَلَقْنَاالْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِمِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [١]» والنفس إنما توسوس لتصرف عن الخير والنهوض بالمسؤولية، وما يدفع بمستوى الإنسان إلى الأمام على طريق الهدى والنّور والصّلاح والفلاح، ولتُوقعَ في الشر والسوء والخسران. وليس أقرب للمرء بعد الله من نفسه فإذا كانت النفس أمّارةً بالسوء، موسوسةً لصاحبها فهذا منبع ضعفٍ للإنسان يقعد به إلى الأرض، يمنعه من النهوض، يأخذ بنظره عن الالتفات إلى صالحه. والمخبر بهذا من هو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد.
«يُرِيدُ اللَّهُ أَنْيُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [٢]» الإنسان بشهواته، بجانبه الذي يشدّه إلى الأرض من دوافع ورغائب ومطامع وتطلعات مادية ضعيف أصلا على قوته، وبقطع النظر عن عطاءات تربيته، وآثار منهجه. وهو ضعف يقابله التخفيف في التكليف، ومراعاة التعثرات على الطريق. فالتكليف للإنسان جاء ملتفتاً إلى ضعفه، غير مثقلٍ عليه محرجٍ له، مسببٍ له الفشل في تحمله. كما أنه لم يهمل حاجات تربيته، وما به تقويم عوجه فيسبب له التسيُّب، وزيادة الضعف والاهتراء على ضعفه.
والآية الكريمة الأخرى: «الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْمِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌيَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ»
[١] سورة ق: ١٦.
[٢] سورة النساء: ٢٨.