الإنسان بين حضارة الذكر و حضارة النسيان - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٠٢
مما عالج خلفية تساؤلهم. وما تعلّم به آدم الأسماء إنما هو نفخة الرّوح الذّاكرة المشرقة الملهمةِ الواعية، وليس قبضة الطين المعتمة المنغلقة الجامدة.
فهذا هو الإنسان باني الحضارة على الأرض معناه الكبير، قرآناً في روحه الإنسانية المتميزة وليس في كتلته المادية، ووجوده الطيني، وبشرته البارزة. وفي التصور الآخر المقابل الجاهل؛ قردٌ متطورٌ تطوراً لا يخرج به عن ضرورات القرد وحاجاته ورغائبه، ولا يخرج بمشكلاته ومعاناته عن معاناته ومشاكله، والعقل وأي طاقة أخرى عند الإنسان وسيلة متقدمة تخدم الضرورات والشهوات والنزوات التي يستوي فيها هو وإخوانه وأجداده القرود.
أولًا الإنسان هدفاً:
«إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَوَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ ... [١]» الله عز وجل أفاض على هذا الإنسان الوجود برحمةٍ منه لا لتتوقف رحمة الله عن هذا المخلوق، ولا ليشقيه إنما ليواصل رحمته به وإفاضاته عليه. الله عز وجل لم يخلق الإنسان للشقاء، إنما خلقه للسعادة، لأن يكتمل في ذاته بدرجة أكبر، لأن يصل إلى القرب الإلهي الذي لا يجد في ظلّه شيئاً من الشقاء.
ما طريق الرحمة لهذا الإنسان في ذاته الإنسانية؟ تقول الآية الأخرى:
«وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [٢]» المخلوق له الإنسان هو الرحمة به، هو أن تتواصل فيوضات الله تبارك وتعالى عليه، أما العبادة فطريق الاستحقاق، طريق التأهيل. هذه العبادة ماذا تفعل؟
«اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَآمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ... [٣]» يخرجهم من الظلمات إلى النور بمنهجه الحكيم الدقيق الرصين، الذي يعلم من الإنسان
[١] سورة هود: ١١٩.
[٢] سورة الذاريات: ٥٦.
[٣] سورة البقرة: ٢٥٧.