المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ٨٣ - باب الاستجار علي ضرب الدين وغيره
ذلك الزلل لانه عند ذلك لا يكون معتدل الحال فيكون قبله مشغولا بما هو فيه من المشى أو السير فلا يتفرغ بالنظر في الحجج ولانه نوع من الاستخفاف وهو مأمور بان يصون قضاء عن أسباب الاستخفاف ظاهرا وباطنا ولا بأس بأن يقضى وهو متكئ لان التكاءه نوع جلسة كالتربع ونحوه وطباع الناس في الجلوس تختلف فمنهم من يكون التكاؤه أروح له واعتدال حاله عند ذلك أظهر والاصل فيه حديث أم سلمة رضى الله عنها في الرجلين الذين اختصما بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم الحديث إلى أن قال وكان متكئا فاستوى جالسا فقد نظر في خصومتهما حين كان متكئا فعرفنا انه لا يأس بذلك وينبغى له أن يقضى بما في كتاب الله فان أتاه شئ لم يجده فيه قضى فيه بما أتاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فان لم يجده فيه نظر فيما أتاه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى عنهم فقضي وقد بينا هذا فيما سبق والحاصلانه إذا صح له قول عن واحد من المعروفين من الصحابة رضى الله عنهم قضى به وقدمه على القياس لقوله صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتهم اهتديتم ولان فيما يبلغه عن الصحابي رضى الله عنه احتمال السماع فقد كانوا يسمعون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يفتون به تارة ويرون أخرى وفيه أيضا احتمال ترجيح الاصابة في نفس الرأى فقد وقفوا لما لم يوقف غيرهم بعدهم فان كانوا اختلفوا فيه تخير مدة أقاويله أحسنها في نفسه وليس له أن يخالفهم جميعا ويبتدع شيئا من رأيه لانهم لو اجتمعوا على قول لم يجز لاحد أن يخالفهم فإذا اختلفوا على أقاويل محصورة فذلك اجماع منهم على أن الحق لا يعد مما قالوا فلا يجوز لاحد أن يخالفهم ويبتدع شيئا من رأيه ولكنه يختار أحسن الاقاويل في نفسه لانهم لما اختلفوا ولم تجر المحاجة بينهم بالرواية فقد انقطع احتمال السماع وتعين القول بالرأى فتعارض أقاويلهم كتعارض الاقيسة وعند ذلك على القاضى أن يصير إلى الترجيح ويعمل بما ظهر الرجحان فيه فكذلك عند اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم يصير إلى الترجيح فان لم يبين له وجه الترجيح فله أن يعمل بأى الاقاويل شاء لان بالتعارض لا تنعدم الحجة في أقاويلهم فينغى أن يعمل بأحسنها في نفسه ويكون ذلك عملا منه بالحجة فان لم يجده في ما جاءه عن أحد منهم اجتهد رأيه في ذلك وقاسه بما جاء منه ثم قضي بالذي يجتمع رأيه عليه من ذلك ويرى أنه الحق لانه مأمور بفصل القضاء والتكليف بحسب الوسع والذي في وسعه اجتهاد الرأى عند انقطاع سائر الادلة عنه فيشغل به إذ كان من أهله كمن اشتبه عليه القبلة عند انقطاع الادلة والاصل فيه قوله تعالى