المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ٨٦ - باب الاستجار علي ضرب الدين وغيره
غير مجلس القضاء لان كل واحد من الامرين مهم فإذا جمع بينهما في مجلس يخاف الخلل فيهما والاصح انه لا بأس بان يفتى في المعاملات والعبادات في مجلس القضاء وفي غير مجلس القضاء فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتى ويقضى والخلفاء رضى الله عنهم بعده كذلك وللقضاء فتوى في الحقيقة إلا أنه ملزم وانما الذي يكره له أن يفتى للخصم فيما خاصم فيه إليه لما قيل ان الخصم إذا وقف على رأيه ربما اشتغل بالتلبيس للتحرز عن ذلك فلا يفتوى له في ذلك حتى تنقضي الخصومة وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدهما عالم بالخصومه والاخر جاهل بها فلم يلبسه العالم ان قضى له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام المقضى له وقعد المقضي عليه فقال يارسول الله عليك السلام والله الذي لا اله غيره ان حقى لحق فقال صلى الله عليه وسلم علي بالرجل فأتى به فاخبره بالذي حلف عليه فقال يارسول الله ان شئت عاودته الخصومة فقال عليه الصلاة والسلام عاوده فعاوده فلم يلبسه أن قضى له فقام المقضى له وقعد المقضى عليه فقال والله الذي لا اله الا هو الرحمن الرحيم الذي أنزل عليك الكتاب بالحق ان حقى لحق يعلم ذلك نفسه فقال صلى الله عليه وسلم علي بالرجل فأتى به فاخبره فقال ان شئت عاودته فقال عليه السلام لا ولكن اعلم ان من اقتطع بخصومته وجد له حق امرئ مسلم فانما يقتطع قطعة من نار فقال الرجل ألحق حقه فكان النبي صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس وقال من اقتطع بخصومته وجد له حق امرئ مسلم فليتبوأ مقعده من النار قال أبو هريرة رضى الله عنه فكانت هذه أشد من الاولى وفيه دليل على انه لا ينبغى للقاضى أن يكف عن القضاء مخافة تلبيس بعض الخصوم عليه فقد كانوا يفعلون ذلك عند من كان ينزل عليه الوحى وهو معصو ؟ وفيه دليل أنه لا بأس للمرء أن يحلف مختار فقد حلف الرجل مرتين من غير أن طلب ذلك منه ولمينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وفيه دليل على ان القاضي إذا ارتاب في شئ من قضائه ينبغى له أن يتثبت في ذلك ويحتاط ( ألا ترى ) أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالمعاودة حين حلف المقضى عليه أن حقه حق وكان ذلك احتياطا منه وفيه دليل ان مال الغير لا يحل للغير بقضاء القاضي فقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الفطين في الوعيد الثاني أشد من الاول كما قاله أبو هريرة رضى الله عنه وهذا لان حرمة مال المسلم كحرمة نفسه قال صلى الله عليه وسلم سباب المسلم فسق وقتاله كفر وحرمة ماله كحرمة نفسه فكما أن من قصد قتل