نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٩ - المقدمة الأولى
و قال الثوري مرة لما عاتبه في تقليب الدنانير: لو لا هذه لتمندل بنا بنو العباس [١].
و قال أيضا: لأن أخلف عدة آلاف درهم يحاسبني اللّه عليها أحب إليّ من أن احتاج إلى الناس. و جاء عنه أنه قال: المال في هذا الزمان سلاح المؤمن.
و قال سفيان بن عيينة: من كان له مال فليصلحه. ذكر هذه الآثار عنهم الحافظ السخاوي في جواب له في الباب. و فيه أيضا عن أبي الدرداء: من فقه الرجل استصلاحه معيشته. و أورد الزمخشري في الكشاف عند قوله تعالى: وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً [النساء: ٥] شيئا من هذا. و كيفما كان الحال؛ فإن ذلك مما يدل و لا إشكال على اهتمام الشريعة الإسلامية بنظام حياتك، و إرشادك إلى استثمار ينابيع الثروة، و أساليب المعيشة الهنيئة. ذلك النظام الذي سنّه لك الإسلام؛ و هو مادة نظام العالم المتمدن اليوم، إن لم يكن جميعه فمعظمه. و أنت أيها المسلم ساه لاه.
و في «الروض الأنف» أن العلاء بن الحضرمي لما قدم على المنذر بن ساوى و خاطبه في الإسلام و شرائعه أجابه المنذر بقوله: قد نظرت في هذا الأمر الذي في يدي فوجدته للدنيا دون الآخرة، و نظرت في دينكم فوجدته للآخرة و الدنيا، فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة و راحة الموت، و لقد عجبت أمس ممن يقبله، و عجبت اليوم ممن يرده و إن من إعظام من جاء به أن يعظم رسوله انظر ص ٣٥٦ من الجزء الثاني. و فيه أيضا أن الجلندى لما قدم عليه عمرو بن العاص قال له: انظر في هذا النبي الأمي الذي جاء بالدنيا و الآخرة.
لهذا و شبهه عنّ لنا أن تكون عنايتنا في التدوين بالتراتيب الإدارية، و الحرف و الصنائع و المتاجر و أنواع العلوم و المشخصات التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية النبوية، حتى يعلم الناس من أبناء ملتنا و عشق التاريخ من غيرهم، أن النبي العربي قد مدّن الشعوب، و رقّى الأمم بما أسس لهم من مباني العمران و سنّ من أنظمة التقدم و أنه يمر بك كثيرا أن النبي (صلى الله عليه و سلم) جاء بهذا الرقي و العمران بما أنزل اللّه عليه من آي ذلك و أساليبه. و لكن غفلوا عن ذكر كيفية تمشية ذلك النظام في ذلك الزمان، و حراس تلك التمشية، الذين كانوا يسهلون على الشعب العمل بآداب ذلك و أساليبه، و يسهرون على تمسك الأفراد بها.
و قد يقال: إنك أسأت الأدب و قرعت أبواب العطن بذكرك في سمرك هذا المصطفى (صلى الله عليه و سلم) نظاميا ملكا و أصحابه قوادا و ولاة.
قلت: هذا من ضيق العطن و رمي الفطن و إلا فالبشر كلهم بشر و لكن فيهم الصالح و الطالح في بشريتهم، و الكامل و الأكمل و النبيه و الأنبه، و الرذيل و الأرذل. فأصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قائدهم لا كالقواد، و أميرهم لا كالأمراء لمكانهم من القرب من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و لسماعهم الوحي الطري و العلم الصحيح، كما أن المصطفى (صلى الله عليه و سلم) بشر لا كالبشر، و ملك لا
[١] ربما الصواب هو: قال عبد اللّه بن المبارك للثوري.