نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٨٨ - أقول و بهذا يعلم حكم تعلم اللغات الأجنبية
المسجد، و هو التكلم بغير لسان العرب سيما لمن يحسن العربية ا ه انظر المجاجي على مختصر بن أبي جمرة لدى الحديث الثالث.
قلت: فظهر أن نهي عمر و كراهة مالك التكلم برطانة العجم لمن في المسجد لا في غيره، أو حتى في غيره بالنسبة لمن لم تدعه لها ضرورة، أو كان تعليمه اللغة الأجنبية مع ازدرائه للغته و آدابها و علومها، هذا مع اعترافنا اليوم بأن لغات العجم صارت اليوم مفتاح العلوم الكونية، التي أصبحت ضرورية لمجارات العجم و الترقي بين الأمم و صارت أيضا مفتاحا للتعارف الذي أصبح ضروريا للعيش و أمن الإنسان على حقوقه حين الاختلاط، و للشيخ صفي الدين الحلي و هو ممن كان يحفظ عدة لغات:
بقدر لغات المرء يكثر نفعه * * * و تلك له عند الملمات أعوان
فبادر إلى حفظ اللغات مسارعا * * * فكل لسان في الحقيقة إنسان
نسبهما له صاحب الجوهر المحسوس في ترجمة شارح القاموس.
و من أغرب ما يذكر في هذا الباب، ما وجدته في طبقات ابن سعد من أن جفنة النصراني أحد المشاركين لغلام المغيرة في قتل سيدنا عمر، كان ظئرا لسعد بن أبي وقاص، و كان يعلم الكتاب بالمدينة انظر ص ٢٥٨ من الجزء الثالث. فربما يقال كان يعلم في الكتاب لغة أجنبية أما العربية مثلا أو القرآن فمن المحال أن يحتاجوا في تعلمها إذ ذاك لنصراني فليتأمل، و من أحسن ما يذكر في هذا الباب ما رأيته في تفسير الشيخ محمد نووي الجاوي المكي المسمى مراح لبيد في كشف معنى قرآن مجيد على قوله تعالى: عن يوسف اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥] قال عليم بوجوه التصرف في الأموال، و بجميع ألسن الغرباء الذين يأتوني ا ه منه ص ٤٠٣.
و قد ترجم البخاري في الصحيح [١] باب من تكلم بالفارسية و الرطانة قال: في الفجر الساطع أي الكلام الغير العربي، فهو من عطف الأعم أي جواز ذلك عند الحاجة إليه كما دلت عليه الآيتان، و أشار إلى ضعف ما ورد من الأحاديث في كراهة الكلام بالفارسية، و وجه إدخال هذه الترجمة في الجهاد أن ذلك يحتاج إليه المسلمون مع رسل العجم و أمرائهم ا ه.
و من أغرب ما يتعين ذكره في هذا الباب ما قرأته في مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي حين تكلم على موالي عبد اللّه بن الزبير قال: قال هشام كان له مائة غلام كل غلام يتكلم بلغة، و كان ابن الزبير يكلم كل أحد بلغته ا ه و في ص ٨٣ من تاريخ الخلفاء للحافظ السيوطي عزو ما ذكر لابن عساكر عن عمر بن قيس انظره فهذا أعجب ما سمعت في معرفة اللغات و تعدادها عن الصحابة و تابعيهم.
[١] انظر كتاب الجهاد باب ١٨٨ ج ٤/ ٣٦.