نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٣٠٧ - كيفية معاملته
و عمر فقال: يا أبا حسان لا بأس به انظر ص ١٢٢ الجزء الرابع، و كان يأمر الصحابة بذلك أيضا. قال المناوي في شرحه الكبير على الجامع الصغير لدى حديث: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، المخرج من ابن ماجه و البزار و الطبراني، و ابن عدي و البيهقي و الحاكم عن عدة من الصحابة ما نصه: إذا أتاكم كريم قوم أي رئيسهم المعظم فيهم المعود منهم بإكبار الإعظام، و إكثار الاحترام فأكرموه، برفع مجلسه و إجزال عطيته و نحو ذلك، مما يليق به؛ لأن اللّه عوّده ذلك منه ابتلاء له، فمن استعمل معه غيره فقد استهان به و جفاه، و أفسد عليه دينه؛ فإن ذلك يورث في قلبه الغل و الحقد و البغضاء و العداوة، و ذلك يجر إلى سفك الدماء. و في إكرامه اتّقاء شره، و إبقاء دينه، فإنه قد تعزز بدنياه و تكبر و تاه و عظم في نفسه، فإذا أحقرته فقد أهلكته من حيث الدين و الدنيا، و به عرف أنه ليس المراد كريم القوم عالمهم أو صالحهم، كما وهم البعض، أ لا ترى أنه لم ينسبه في الحديث إلى علم و لا دين.
و من هذا السياق انكشف أن استثناء الكافر و الفاسق كما وقع لبعضهم منشؤه الغافلة عما تقرر، من أن الإكرام منوط بخوف محذور ديني أو دنيوي، أو تكون ضررا للفاعل أو المفعول معه، فمتى خيف شيء من ذلك شرع إكرامه بل يجب، فمن قدم عليه بعض الولاة الظلمة الفسقة فأقصر مجلسه و عامله معاملة الرغبة، فقد عرض نفسه و ماله للبلاء، فإن أوذي و لم يصبر فقد خسر الدنيا و الآخرة و قد قيل: دارهم ما دمت في دارهم، و حيهم ما دمت في حيهم. ا ه.
و قال (عليه السلام): بعثت نبيا مداريا [١]. و لهذا كان كثير من أكابر السلف المعروفين بمزيد الورع يقبلون جوائز الأمراء المظهرين للجور و يظهرون لهم البشاشة حفظا للدين و رفقا بالمسلمين، و رحمة بذلك الظالم المبتلي المتكبر، و هكذا كان أسلوب المصطفى (عليه السلام) مع المؤلفة قلوبهم، و قد غلط في هذا الباب كثير غفلة عن معرفة تدبير اللّه و رسوله، و الجمود على ظاهر: وَ مَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج: ١٨] و ما دروا أن السنة شرحت ذلك و بينته أحسن البيان بموضع طلب إهانة الفاسق و الكافر للأمن من حصول مفسدة،
و الحاصل أن الكامل إنما يكرم للّه أو يهين للّه. و لهذا قال بعض العارفين: ينبغي للفقير أن يكرم كل وارد عليه من الولاة، فإن أحدهم لم يزر الفقير حتى خلع عنه كبرياءه و رأى نفسه دونه، و إلا لما أتاه مع كونه من رعاياه، قال: فمن أتانا فقيرا حقيرا أكرمناه، كائنا من كان و إن كان ظالما فنحن ظالمون أنفسنا بالمعاصي و غيرها، و لو بسوء الظن فظالم قام لظالم، و أكرمه. و قد كان المصطفى يتواضع لأكابر كفار قريش و يكرمهم، و يرفع منزلتهم لأنهم مظاهر العزة الالهية و رؤي بعض الأولياء في النوم، و عليه حلة خضراء و الأنبياء واقفون بين يديه فاستشكل ذلك الرائي فقصه على بعضهم فقال: لا تنكره فإن
[١] ذكر في كشف الخفاء حديثا بمعناه: بعثت بمداراة الناس و عزاه للبيهقي عن جابر.