نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٣٦٤ - باب في المكان يتخذ للفقراء الذين لا يأوون على أهل و لا مال و يتخرج منه الأصل لهذه الزوايا التي تتخذ للفقراء و المنقطعين
و قد بوّب البخاري في القسمة و تعليق القنو في المسجد، و لم يذكر في الباب صريحا فأشار بذلك إلى ما رواه النسائي عن عوف بن مالك الأشجعي قال: خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و بيده عصا، و قد علق قنو حشف فجعل يطعم من ذلك القنو، و يقول: لو شاء ربّ هذه الصدقة تصدق بأطيب من هذا.
و أخرج ثابت في الدلائل أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أمر من كل حائط بقنو يعلق في المسجد، يعني للمساكين. و في رواية له: و كان عليها معاذ بن جبل، أي على حفظها أو قسمتها راجع الوفاء ص ٣٢٣.
و في ترجمة والد واثلة بن الأسقع من الإصابة أن أبا نعيم خرّج في الدلائل قال: كنا في الصفة و هم عشرون رجلا، فأصابنا جوع و كنت من أحدث أصحابي سنا فبعثوا بي إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) أشكو جوعهم، و في المواهب: أنه كان (عليه السلام) يدعوهم بالليل فيفرقهم على أصحابه و يبقى طائفة معه، قال الزرقاني: مواساة و تكرما. و في حديث: أن فاطمة طلبت منه خادما فقال: لا أعطيك و أدع أهل الصفة تطوى بطونهم.
و في تحفة الناظر للعقباني قال عز الدين: إنما يرخص في المبيت في المسجد لمن لا ينتهك حرمته من الضعفاء، فقد كان أصحاب الصفة يبيتون فيه مع القيام بحرمته ا ه.
و نقل ابن التلمساني على الشفاء عن الكشاف: أصحاب الصفة كانوا نحو أربعمائة رجل من مهاجري قريش، لم يكن لهم مسكن في المدينة و لا عشائر، فكانوا في صفة المسجد يتعلمون القرآن بالليل، و يرضخون النوى بالنهار، و كانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى ا ه.
و قال الحافظ ابن الجوزي في تلبيس إبليس: هؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة و إنما أكلوا من الصدقة ضرورة، فلما فتح اللّه على المسلمين استغنوا عن تلك الحال و خرجوا. ا ه.
و لما تكلم الإمام أحمد بن قاسم الصومعي التادلي في كتاب «اللباب في معاملة الملك الوهاب» على أهل الصفة نقل عن قتادة: أنهم لزموه (عليه السلام) لا يرجعون إلى تجارة، و لا إلى زرع و لا إلى ضرع، يصلون صلاة و ينتظرون أخرى ا ه منه.
و في طبقات ابن سعد أن القراء في زمن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، كانوا يقرءون القرآن و يتدارسون بالليل، و كانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، و يحتطبون فيبيعونه و يشترون به الطعام لأهل الصفة، و الفقراء. انظر ص ٧١ الجزء الثالث.
و قال الأستاذ الصالح أبو عثمان سعيد بن أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن ليون التجيبي في رسالته الأنالة العلمية! إن الفقراء المتجردين من الصوفية، هم الذين ورثوا أهل الصفة في الجلوس في المساجد، و الرباط و التجرد و قلة التسبب، و الناس ينكرون على الفقراء هذه