نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٨ - المقدمة الأولى
العبادة منها لا يزيد على جزءين و بقية الأجزاء الستة أحكام المعاملات الدنيوية. بل قال بعض الكتاب: إنّ في القرآن الكريم من آيات العلوم الكونية ما يزيد على سبعمائة و خمسين آية، أما علم الفقه فلا تزيد آياته، الصريحة عن مائة و خمسين آية ا ه. و في حديث أخرجه ابن عساكر عن أنس قال الحافظ السيوطي في الحاوي: صحيح من وجوه:
«ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته و لا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعا فإن الدنيا بلاغ الآخرة و لا تكونوا كلّا على الناس».
و قد أخرجه ابن عساكر عن عمر بن قيس قال: كان عبد اللّه بن الزبير إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد اللّه طرفة عين، و إذا نظرت في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين أنظر ترجمة ابن الزبير في تاريخ الخلفاء [للسيوطي].
و في حديث أنس قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «من رزق الدنيا على الإخلاص للّه وحده و عبادته لا شريك له، و أقام الصلاة و آتى الزكاة مات و اللّه عنه راض» أخرجه «ابن عبد البر في جامع العلم.
و قال ابن عمر: لو كان عندي أحد ذهبا أعلم عدده و أخرج زكاته ما كرهت ذلك و ما خشيت [أن] يضرني. و قال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يجمع المال فيقضي دينه و يصل رحمه و يكف به وجهه.
و أخرج الديلمي عن جابر رفعه: «نعم العون على تقوى اللّه المال». و قال عمر بن الخطاب: من أراد أن يسأل عن المال فليأتنا فإن اللّه جعلني خزانا. و قال (صلى الله عليه و سلم) لسيدنا سعد [ابن أبي وقاص] كما في الصحيح لما أراد أن يتصدق بأكثر ماله: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس» [١].
و قال لكعب بن مالك حيث استشاره في الخروج عن ماله كله: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» [٢]. و قال قيس بن عاصم [المنقري التميمي] حين حضرته الوفاة لبنيه:
يا بني عليكم بالمال و اصطناعه فإنه منبهة للكريم، و يستغنى به عن اللئيم. و للصحابي الجليل سيدنا النمر بن تولب العكلي في الحث على الكسب و مدح المال و الزجر عن القعود عن التكسب و ذم الفقر:
خاطر بنفسك كي تصيب رغيبة * * * إن القعود مع النساء قبيح
فالمال فيه عزة و مهابة * * * و الفقر فيه مذلة و فضوح
أنشدهما له الحافظ ابن عبد البر في كتابه بهجة المجالس.
[١] رواه مسلم في كتاب الوصية ج ٢ ص ١٢٥١. و أحمد ج ١ ص ١٦٨ بمعناه.
[٢] رواه البخاري كتاب الزكاة و باب ١٨ ص ١١٧/ ٢. و رواه مسلم في كتاب التوبة ج ٣ ص ٢٢٢٧.