نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٣٦٣ - باب في المكان يتخذ للفقراء الذين لا يأوون على أهل و لا مال و يتخرج منه الأصل لهذه الزوايا التي تتخذ للفقراء و المنقطعين
على أهل و لا على مال، و لا على أحد إذا أتته الصدقة، بعث إليهم بها. و لم يتناول منها شيئا و إذا أتته هدية أرسل إليهم و أصاب منها و أشركهم فيها».
أردت أن أبسط القول هنا على أهل الصفة و أحوالهم و عددهم و من كان على طعامهم لتقصير الخزاعي هنا فأقول؛ قال عياض: الصفة بضم الصاد و تشديد الفاء ظلة في مؤخر مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يأوي إليها المساكين و إليها تنسب أهل الصفة على أشهر الأقاويل.
و قال الحافظ الذهبي: إن القبلة قبل أن تتحول كانت في شمال المسجد فلما حولت القبلة بقي حائط القبلة الأعلى مكان أهل الصفة، و قال الحافظ ابن حجر: الصفة مكان في آخر المسجد النبوي مظلل أعد لنزول الغرباء فيه، ممن لا مأوى له و لا أهل و كانوا يكثرون فيه و يقلون بحسب من يتزوج منهم أو يسافر، و قال المجد نقلا عن الدار قطني: الصفة هي ظلة كان المسجد في مؤخرها، و في التوشيح للسيوطي: الصفة بصاد و فاء محل وراء الحجرة النبوية مظلل معد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له و لا أهل في مؤخر المسجد إلا أنه يحسب الآن في مؤخرهما معا، محاذيا للحجرة، فالكل داخل فيه في وقتنا ا ه.
ثم قال المجد و ذكر ابن جبير في رحلته عند ذكر قباء قال: و في آخر الغرفة تل مشرف يعرف بعرفات يدخل إليه دار الصفة، حيث كان عمار و سلمان و أصحابهما المعروفون بأهل الصفة، و كأن هذا و هم و اللّه أعلم، قال السيد السمهودي في الوفا: يظهر لي من قول عياض فيما قدمناه عنه على أشهر الأقوال أن في ذلك خوفا، فيكون ما ذكر ابن جبير أحد الأقوال لكنه مرجوح أو مؤول بأن من ذكر من أهل الصفة اتخذوا تلك الدار بعد فاشتهرت بذلك.
و في تلبيس إبليس لابن الجوزي: أهل الصفة كانوا فقراء يقدمون على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و ما لهم أهل و لا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). و قيل أهل الصفة.
و أخرج أبو نعيم في الحلية من طريق أبي هريرة: كنت من أهل الصفة، و كنا إذا أمسينا حضرنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيأمر كل رجل فينصرف برجلين أو أكثر، فيبقى من بقي عشرة أو أكثر أو أقل فيؤتي النبي (صلى الله عليه و سلم) بعشائه فيتعشى معهم، فإذا فرغنا قال ناموا في المسجد.
و روى ابن شبة قال: كان من قدم المدينة فكان من له بها عريف (رئيس) نزل على عريفه، و من لم يكن له بها عريف نزل الصفة، فكنت ممن نزل الصفة، فرافقت رجلين كانا يجريان عليهما كل يوم مدّين من تمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).
و قال ابن النجار: روى أهل السير أن محمد بن مسلمة رأى أضيافا عند النبي (صلى الله عليه و سلم) في المسجد فقال: نفرق هذا الأضياف في دور الأنصار، و نجعل لك في كل حائط قنوا ليكون لمن يأتيك من هؤلاء الأقوام فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)؟ بلى فلما وجد ماله أتى بقنو، فجعله من المسجد بين ساريتين، و يجعل الإقناء على الحبل، و يجمع العشرين أو أكثر فيأكلون و ينصرفون، و يأتي غيرهم فيفعل بهم مثل ذلك فإذا كان الليل فعل بهم مثل ذلك.