نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٣ - المقدمة الأولى
أهله كانوا يمشون حفاة، و إذا أكلوا مسحوا أيديهم في أقدامهم، خصوصا و قد وقعت لبعض الأعلام فلتات إن لم نقل سقطات و هفوات، حتى إن الولي ابن خالدون قال في مقدمة العبر في مواضع:
«إن الملة في أولها لم يكن فيها علم و لا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة و البداوة، و إنما أحكام الشريعة التي هي أوامر اللّه و نواهيه كان الرجال ينقلونها في صدورهم، و قد عرفوا مأخذها من الكتاب و السنة بما نقلوه عن صاحب الشرع و أصحابه، و القوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم و التأليف و التدوين، و لا رجعوا إليه و لا دعتهم إليه حاجة و جرى الأمر على ذلك زمن الصحابة و التابعين». انظر ص ٤٧٧ من مقدمة تاريخه طبعة مصر و نحو هذه العبارات للأمير صديق حسن خان القنوجي في كتابه «الحطة في ذكر الصحاح الستة» من غير عزو لابن خالدون انظر ص ١١ منها.
و لكن من واصل ليله بنهاره، و اطلع و طالع بالدقة و حسن الروية، يجد أن المدنية و أسباب الرقي الحقيقي، التي وصل إليها العصر النبوي الإسلامي في عشر سنوات، من حيث العلم و الكتابة و التربية و قوة الجامعة و عظيم الاتحاد و تنشيط الناشئة، و ما قدر عليه رجال ذلك العهد الطاهر، و ما أتوه من الاعمال و استولوا عليه من الممالك، و ما بثوا من حسن الدعوة و بليغ الحكمة و متمكن الموعظة، لم تبلغها أمة من الأمم و لا دولة من الدول في مئات من السنين، بل جميع ما وجد من ذلك إلى هذا الحين عند سائر الأمم، كلها على مباني تلك الأسس الضخمة الإسلامية انتشأ. فلو لا تلك الصروح الهائلة و العقول الكبيرة، و ما بثوه من العلوم و قاموا به من الأعمال المخلدة الذكر، لما استطاعت المدنيات المحدثة أن تنهض لما له نهضت و ارتقت.
أحدق ببصرك و بصيرتك إلى الدور الذي وجد فيه (عليه السلام) تجد أن الخراب و الدمار و الظلم كان أثبت في كل جهة من جهات العالم، من الشرق إلى الغرب. فدولة الروم هرمت مع الضعف الذي استولى على ملوكها؛ بمجاوزتهم الحد في الترف، و الانهماك في اللذات، و الفتن الداخلية و الخارجية، و الأمة الفارسية سقطت قوتها بسبب حروبها الطويلة مع الروم مع الفتن الأهلية، و الشعوب العربية في انحطاط تام و جهل عام. بين هذا الوسط نبعت تلك الشعلة النورية النبوية، فأضاءت دفعة [فجأة] من أول وهلة على العالم، فأحدثت فيه حركة و نهضة بعد العهد بمثلها في جهة من الجهات، أما في جميع أطراف العالم [١] التأمت تلك الشعلة و استفحلت و عرفت كيف تربي رجالا عظاما لنشر مباديها الحقة و القيام بالعالم من و هدة السقوط فأولئك الذين كانوا أنفسهم قبل الإسلام لا يعرفون من دنياهم إلا البارحة و تربية الماشية و العيش على أخس بداوة قد انقلبوا بعد الإسلام إلى قواد
[١] بياض بالأصل و يسحن وضع كلمة «ثم».