نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٣٠٥ - كيف كان حال كفار جزيرة العرب معه
أعظمهم عليه أحوجهم إليه، ثم في حجة الوداع لم يبق أحد من قريش إلا أسلم و صاروا كلهم أتباعه.
و قسم تركوه و انتظروا ما يؤول إليه أمره كطوائف العرب، منهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، و بالعكس كبني بكر، و منهم من كان معه ظاهرا و مع عدوه باطنا، و منهم المنافقون فكانوا يظهرون الإسلام و يبطنون الكفر، و كان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، ثم النضير ثم قريظة، فحاربهم المصطفى بعد وقعة بدر بشهر.
و قال الحافظ ابن تيمية في كتابه: الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ٩٨: لا خلاف بين أهل السير أن جميع قبائل الأوس و الخزرج لم يكن فيهم من يقاتل المصطفى بيد و لا لسان، و لا كان أحد بالمدينة يتمكن من إظهار ذلك، و إنما غاية الكافر أو المنافق منهم أن يثبط الناس عن اتباعه، أو يعين على رجوعه من المدينة إلى مكة و نحو ذلك مما فيه تخذيل عنه و حض على الكفر به، لا على قتاله.
و من المعلوم من سيرة النبي (صلى الله عليه و سلم)، الظاهر علمه عند كل من له علم بالسيرة، أنه (عليه السلام) لما قدم المدينة لم يحارب أحدا من أهل المدينة، بل وادعهم حتى اليهود خصوصا بطون الأوس و الخزرج، فإنه كان يسالمهم و يتألفهم بكل وجه، و كان الناس إذ قدمها على طبقات: منهم المؤمن و هم الأكثرون و منهم الباقي على دينه، و هو متروك لا يحارب و لا يحارب، و هو و المؤمنون من قبيلته و حلفائهم أهل سلم لا أهل حرب، حتى حلفاء الأنصار أقرهم النبي (صلى الله عليه و سلم) على حلفهم.
قال موسى بن عقبة: قدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) المدينة و ليس فيها دار من دور الأنصار، إلا فيها رهط من المسلمين، إلا بني خطمة، و بني واقف، و بني وائل، كانوا آخر الأنصار إسلاما. و حول المدينة حلفاء للأنصار كانوا يتظاهرون بهم في حربهم، فأمر المصطفى أن يخلوا حلف حلفائهم، للحرب التي كانت بينهم و بين النبي (صلى الله عليه و سلم) و بين من عادوا الإسلام، و كان (صلى الله عليه و سلم) قدم المدينة و أهلها أخلاط فيهم المسلمون، الذين تجمعهم دعوة الإسلام، و فيهم أهل الحلقة و الحصون، و فيهم حلفاء للحيين جميعا الأوس و الخزرج، فأراد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم و موادعتهم.
كان الرجل يكون مسلما و أبوه مشركا. و من المعلوم أن قبائل الأوس كانوا حلفاء بعضهم لبعض، و كان فيهم المظهر للإسلام المبطن لخلافه، و كان الإسلام يفشو في بطون الأنصار بطنا بعد بطن، حتى لم يبق فيهم مظهر الكفر، بل صاروا إما مؤمنين أو منافقين.
و كان من لم يسلم منهم بمنزلة اليهود موادع لهذين، أو هم أحسن حالا من اليهود، لما يعرف فيه من العصبية لقومه، و أن يهوى هواهم و لا يرى أن يخرج عن جماعتهم، و كان (صلى الله عليه و سلم) يعاملهم بالكف عنهم، و احتمال أذاهم بأكثر مما يعامل به اليهود، لما كان يرجو منهم، و يخاف من تغير قلوب من أظهر الإسلام من قبائلهم لو أوقع بهم، و هو في ذلك متبع قوله تعالى: