نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٥ - المقدمة الأولى
لذلك أرى من الواجبات الكفائية، إن لم نقل العينية على المسلمين العلم بهذه الأمور، لتكون منوالا تنسج عليه الأمة، أو منبها يحرك فيها باعث الجد لاسترجاع ما فات، و التوثق من حفظ استقلالها و صون حياتها مما هو آت، أو ليعلموا على الأقل شرف دين متبوعهم الأعظم (عليه السلام) و ليزدادوا فيه حبا و له تعظيما. و لما دعاهم إليه تمسكا.
قال بعض العلماء: «إن أساسات الدين الإسلامي باعتقاد الحق، و إقامة البرهان على المعتقد و تعميم المعاملات و الإخاء، و تخويل عموم الأفراد حرية محضة محدودة بحدود موافقة للحكمة بحيث تحفظ الحياة الاجتماعية ما دام في الوجود موجود، مانعة ذويها من الإفراط و التفريط، ثم أوجب بينهم حفظ المراتب و الدرجات، و أوجب رعايتها عليهم و رفع بعضهم فوق بعض درجات، بمقتضى الاستحقاق و القابلية، ثم ألزمهم رعاية مصالح سواهم، و حبّب اشتراك غيرهم معهم، في نعمة هذه المدنية العظمى.
و كانت الزراعة معتنّى بها في زمانه (عليه السلام)، و هو الذي يأمر بها و يحض عليها، و كذلك الصناعة، فإنه أمر بها و بتعلمها، و أمر بمبادي التعليم و أمر بأخذ العلوم، و لو من ديار الكفار. و أدخل بعض الأمور التي وصله خبرها من الأمور النافعة، التي يستعملها كفار الفرس و غيرهم؛ مثل عمل الخندق و استحسان تنوير المسجد من قبل تميم الداري، حين أو قد قنديلا و مصباحا أحضره معه من سياحته بعد أن كان يستضاء في المسجد النبوي بالحرق، و أمر بنشر العلوم و المعارف، و تقسيم الوظائف و إيجاب الإخاء، و تقدير الرجال و تنظيم القوى الدفاعية و الهجومية، و أسس وجوب ذلك و قرر وجوب حفظ الأبدان و الطب و التشريح و أنواع الحكمة الطبيعية و تعميم الآداب و مكارم الأخلاق، و التاريخ و الجفرافية و السياحة و الاستكشافات، و السعي في الاختراعات و النجوم و الحساب و القصص و الروايات و آداب المحاضرات و المسامرات، و قرر مع كل هذا وظائف الأعمال الإدارية و ألزم بالاقتصاد الإداري، و المالي، و كل ما يكون في الأمم المتمدنة حتى قرر وجوب الإحصاء.
أما التجارة فقد استعملها (عليه السلام) بذاته، هذا ما كان من أمر الشؤون الداخلية- و أما الشؤون الخارجية فقد دعا بالبلاغ المبين و قرر أصول الحقوق الدولية و الحقوق الملّيّة [الوطنية] و أوجب أصول الحروب و الهدنة و المسالمة و المعاهدة و المقاولة و المكاتبة و رعاية الموازنة السياسية، و المعاهدات و أصول أهل الحماية و حقوق الجوار و معاملة رعايا الأجانب [الدول الأجنبية] و أهل الذمة و تخويل كل فرقة حقا محدودا بالحكمة، محوطا بالصواب.
فيجب على من يريد درك الحقيقة من هذا الدين المتين، أن يراجع نصوصه المبينة في كل حادث زماني أو مكاني أو علمي أو عملي، و يكون له من الاقتدار على التطبيق الشرعي صلاحية كافية، فإنه يرى الحكمة تنجلي بين يديه، مجردة عن كل تردد و احتجاب [١] ا ه.
[١] انظر رسالة حجة الكرام في محجة أهل الإسلام.