نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٥١ - الأدب بالهجران
المسجد، و كان (عليه السلام) ممره إذا رجع في المسجد عليهم فقال: من هؤلاء؟ قال:
هذا أبو لبابة و أصحاب له، تخلفوا عنك يا رسول اللّه حتى تطلقهم و تعذرهم، قال:
أقسم باللّه لا أطلقهم و لا أعذرهم حتى يكون اللّه هو الذي يطلقهم، رغبوا عني و تخلفوا عن الغزو، فأنزل اللّه وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ [التوبة: ١٠٢] فلما نزلت أرسل إليهم النبي (صلى الله عليه و سلم) فأطلقهم، و عذرهم إلا أبا لبابة لم يرض أن يطلقه إلا النبي (صلى الله عليه و سلم) بيده ففعل، و لما نزلت توبتهم نادى البشير كعبا فخر ساجدا للّه، و قام إليه طلحة بن عبيد اللّه فحياه و ما شاه و لم يقم إليه أحد ممن كان في مجلس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) غيره، فقال له (صلى الله عليه و سلم) أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك قال النووي: أي سوى يوم إسلامك، و إنما لم ينبه لأنه معلوم لا بد منه.
و في ترجمة حمزة بن عمر الأسلمي من طبقات ابن سعد، أن حمزة بن عمر هو الذي بشر كعب بن مالك بتوبته و ما نزل فيه من القرآن، فنزع كعب ثوبين كانا عليه فكساهما إيّاه قال كعب: و اللّه ما كان لي غيرهما قال فاستعرت ثوبين من أبي قتادة.
يؤخذ من هذه القصة الخلع على المبشر و المنشد، إذا أثر بإنشاده، قال القاضي ابن باديس: كنت بمكة في موسم سنة ٧٥٥ و كان هناك قاضي قضاة الديار المصرية، عز الدين بن عبد العزيز بن القاضي بدر الدين أبي عبد اللّه محمد بن جماعة، و شيخ القدس الشريف الحافظ صلاح الدين العلائي و جماعة من الفضلاء، فوقعت مسألة لبعض الشيوخ الساكنين بالحرم من المتصوفة نقل عنه قصيد يقول فيه:
فيا ليلة فيها السعادة و المنى * * * لقد صغرت في جنبها ليلة القدر
فعقدوا عليه بذلك الشهادة، و أفتى بعض أهل الثغر ممن كان هناك بالتشديد عليه، حتى تجاوز بعضهم إلى ما هو أشد، فأراد قاضي القضاة الإيقاع بالقائل. قال لي الشيخ صلاح الدين: فلم أزل أخفض منه و ألتمس وجوه السلامة و أقول للقاضي: لا أحب منك التعرض للمتصوفة، و لا المبادرة فيما لم يتحقق الأمر فيه، و استشهد بقول النبي (صلى الله عليه و سلم): أبشر بخير يوم مر عليك، و معلوم أنه مرت عليه ليلة القدر، فجعل النبي (صلى الله عليه و سلم) أنها خير ليلة مرت عليه، لأن اللّه تاب عليه فيها، فهذه إنما هي بالنسبة لكل شخص و هو مراد القائل ا ه.
إنما استطردت هذه الفائدة هنا ليعلم مقدار تسامح المحدثين و الحفاظ في القديم مع الصوفية، و نزوعهم إلى تدعيم شطحاتهم و مبالغتهم من السنة، قال ابن باديس: نهي النبي (صلى الله عليه و سلم) الصحابة عن كلام كعب و صاحبيه دليل وجوب هجران من ظهرت معصيته، أو بدعته و مقاطعتهم، و عدم السلام عليهم إلى أن يقلعوا و تظهر توبتهم تحقيرا لهم و زجرا.