نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٤٣ - تاريخ اشتغاله بتدوينه و كلمة جامعة في أبي الحسن الخزاعي
الدعية، اقتناء للأجر الجليل عند اللّه تعالى، بفضله و رحمته في الأخرى، و اجتناء الشكر الجميل، و بقاء للأجر الطويل، من أربابها في الدنيا إن شاء اللّه تعالى.
تاريخ اشتغاله بتدوينه و كلمة جامعة في أبي الحسن الخزاعي
قال (رحمه الله): و كنت اشتغلت باقتناص شوارده من مكامنها، و التقاط فوائده من أماكنها أيام عزلتي عن العمل، و عطلتي عن الشغل و الفشل، فما زلت أؤلف و أصنف، و أبوب و أرتب، و أصحح و أنقح حتى سطع في رياض الإجادة زهره، و لمع من أفق الإفادة بدره، و ذلك في أول سنة ٧٨٦ فجمعت على فريدته يد الضنين، و منعت خريدته من لمح العيون الخ.
فصرّح بأنه أكمله سنة ٧٨٦ فعاش (رحمه الله) بعد إكماله نحو ثلاث سنين.
و من وقف مثل موقف أبي الحسن الخزاعي مثلي، يتحقق أنه (رحمه الله) تعب تعبا شديدا، و شغل فكره أمدا مديدا، ينم عن ذلك كثرة تراجمه و أبوابه، فإن أكثرها يتردد النظر في أي قسم يلحق، و لذلك لا يكون إلا أكثر من التردد و الرجوع بعد الجزم، كما يقتضيه حال عظيم التأمل قوي العزم، و لا عجب و لا غرابة فقد قال العماد الكاتب [١]: ما ألف أحد كتابا إلا قال في غده: لو قدمت أو أخرت، و هو ما يدل على عجز عموم البشر و التفرد بالكمال لواهب القوى و القدر. و قال حمّاد الرواية: ما أتم ذو الرمّة قصيدته التي مطلعها:
ما بال عينيك منها الماء ينسكب
حتى آخر حياته.
أقول: و مع ذلك لا يزال كثير من تراجم كتاب الخزاعي يحتمل إدخاله في قسم و كان غيره الآن به أنسب، و للإصابة أقرب. شأن البشر الذي يكثر التردد فيما يأتي و ما يذر.
و ربما صحبه فيما عزم عليه كبير خور. وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢] و بذلك يتحقق الإنسان أن موضوعا كهذا، يتناوله عدة مرجحات و موجبات، و أطراف عديدة لا أصعب من التصنيف فيه و التدوين، و في مثله قيل: من ألّف فقد استهدف. و قيل من ألّف فقد جعل عقله في طبق و عرضه على الناس.
و أنا أقول: التصنيف في الموضوع البعيد الأطراف، الذي يتناوله الوصف و الإشراف، كوة صغيرة يطل منها على مخيلة المصنف و أمد صبره و انتهاء نبله و مقدار اختياره و استقلاله الفكري.
[١] هو العماد الكاتب الأصفهاني أبو عبد اللّه محمد بن صفي الدين أبي الفرج المتوفى بدمشق ٥٩٧ خدم أولا في العراق ثم الدولة النورية و الأيوبية بدمشق. انظر ترجمته في وفيات الأعيان ج ٥ ص ١٤٧ و كذلك مرآة الزمان و الكامل لابن الأثير ج ١٢، و الروضتين و معجم الأدباء ج ١٨، ص ١ و طبقات الشافعية للسبكي ج ٤ ص ٩٧، و العبر للذهبي ج ٤ ص ٢٩٩.