نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٨١ - الخلافة
كون أبي بكر خليفة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)؛ فقد اتفقت الصحابة على إطلاقه، و ذلك لما اقتضته الأدلة من الاستخلاف، و هي كثيرة جدا مبسوطة في الكتب المطوّلة، متواطئة على معنى واحد، غير أنه ليس فيها نص صريح؛ لأنه لو كان لما وقع التردد منهم أولا في يوم السقيفة، و أما تسمية بقية الخلفاء بأمراء المؤمنين فبإطلاق الصحابة ا ه.
و قال الحافظ ابن حزم في «نقط العروس»: من ولي الخلافة بعهد اختلف الناس في أبي بكر. و الذي أدين اللّه به: أنه ولي الخلافة بعهد من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إليه، و نص عليه لإجماع أهل الإسلام على تسميته خليفة رسول اللّه، و لم يسمّ أحد بهذا الاسم أحدا غيره، و لا ممن استخلفه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على المدينة، و لا ممن استخلفه على الصلوات في غزواته و حجته، و للخبر الثابت [١] الذي رويناه من طرق ثابتة في قصة المرأة التي قالت: يا رسول اللّه، فإن رجعت و لم أجدك كأنها تريد الموت قال: «فأبو بكر»، هكذا نص الحديث كما أوردناه، و لغير هذا مما ذكرناه في كتاب «الفيصل» و للّه الحمد ا ه و قال ابن جزيّ في «القوانين»: الدليل على إثبات إمامة الخلفاء الأربعة من ثلاثة أوجه: أحدها أن كل واحد منهم جمع شروط الإمامة على الكمال، و الآخر أن كل واحد منهم أجمع المسلمون على بيعته و الدخول تحت طاعته و الإجماع حجة، و الثالث ما سبق لكل واحد منهم من الصحبة، و الهجرة و المناقب الجليلة، و ثناء اللّه عليهم و شهادة الصادق لهم بالجنة، ثم إن أبا بكر و عمر أشار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى خلافتهما و أمر بالاقتداء بهما، و قدم أبا بكر على حجة الوداع و على الصلاة بالناس في مرض موته، و ذلك دليل على إمامته ثم استخلف أبو بكر عمر، ثم جعل عمر الأمر شورى بين ستة نفر، فاتفقوا على تقديم عثمان. إلى أن قتل مظلوما، ثم كان أحقّ الناس بها بعده علي لمرتبته الشريفة و فضائله المنيفة.
و أول من سمّي بأمير المؤمنين من الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب اتفاقا، و ذلك أن أبا بكر لما بويع كانوا يسمونه خليفة رسول اللّه، فلما بويع عمر كانوا يدعونه خليفة خليفة رسول اللّه فاستثقلوا ذلك، و كرهوا تزايده داعيا إلى أن يؤدي إلى الاستهجان، و يذهب التمييز المقصود به لكثرتها و طول إضافتها، فاتفق أن دعا بعض الصحابة عمر بن الخطاب بأمير المؤمنين فيما كتبه إليه أبو موسى الأشعري، و فيما خاطبه مشافهة عدي بن حاتم الطائي أو المغيرة بن شعبة أو عمرو بن العاص أو غيرهم، فاستحسنه الناس و استصوبوه، و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أطلق هذا الاسم قبله على عبد اللّه بن جحش حين بعثه في سرية.
و قال الحافظ السيوطي كما في «المصباح الوهاج»، حين ذكر أن أبا بكر بعد موته (عليه السلام) بعث أسامة على جيش للشام، فكان الصحابة في ذلك السفر يدعونه أمير
[١] رواه البخاري في كتاب أصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) باب ٥ ص ١٩١/ ٤ و نصه: إن لم تجديني فأتي أبا بكر.