نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٣٢١ - باب في الوقف
أقول: و قد أذكرتني وصية عمر (رضي الله عنه)، و جعله النظر في وقفه إلى الأقرب فالأقرب من أهله وصية عالم الدنيا الإمام أبي عبد اللّه، محمد بن مرزوق التلمساني، شارح البردة فقد رأيت بخط الحافظ أبي العباس أحمد الونشريسي ناقلا بعض فصول وصية ابن مرزوق المذكور، في تحبيس كتبه على أولاده و نص بذلك: إن جميع ما احتوت عليه غرفتي التي لم أفارقها إلا منذ ثلاثة أيام و ما احتوى عليه مسكني الآن، من دواوين الكتب و المفردات و الكراريس و سائر التآليف، و ما هو معار عند الناس حسبما ذلك مقيد في أزمتي محبّس على من يتعاطى العلم و عرف بالاشتغال به من ذريتي، من أي جهة كانوا فينتفعون بمطالعة ما يحتاجون إليه منها، إلا أن أولادي الذكور و أولادهم أولى بالتقديم عند ازدحام حاجتهم إلى ما يطالع منها، كما إن الأولى فالأولى الأعلى فالأعلى من أولادي الذكور أولى عند ذلك أيضا، و إن متولي النظر في كتبي المذكورة الأقرب فالأقرب و الأعلم الأدين، فإن لم يجتمع الوصفان فالأدين ثم الأعلم، ثم الأقرب مع أمانتهما عليها، فإن لم يؤمنا فالأمين كيف كان ا ه.
و من خط الونشريسي نقلت و استفدت. و ممن ثبت عنه الوقف من الصحابة سيدنا علي كرم اللّه وجهه، ففي مسند أحمد و غيره أن عليا قال: لقد رأيتني مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و إني لأربط الحجر على بطني من الجوع، و إن صدقتي اليوم لتبلغ أربعين ألفا.
و في رواية أربعين ألف دينار [١]. و في تهذيب الأسماء للنووي: قال العلماء لم يرد به زكاة مال يملكه، و إنما أراد الوقوف التي تصدق بها و جعلها صدقة جارية، و كان الحاصل من غلتها يبلغ هذا القدر ا ه.
و في الأم للشافعي أخرج إليّ والي المدينة صدقة علي بن أبي طالب، و أخبرني أنه أخذها من آل أبي رافع، و إنها كانت عندهم فأمرهم فقرئت علي ا ه أنظر الأم و ممن ثبت عنه الوقف من كبار الصحابة، سيدنا عثمان بن عفان، ففي طبقات ابن سعد، أنه ترك صدقات كان يتصدق بها ببراديس و خيبر و وادي القرى قيمة مائتي ألف دينار. و ممن ثبت عنه الوقف من كبار الصحابة سيدنا الزبير بن العوام، فقد خرج ابن سعد في ترجمته من الطبقات: أنه جعل دارا له حبسا على كل مردودة من بناته، و أنه أوصى بالثلث. و ممن أوقف من كبار الصحابة سيدنا العباس عم النبي (صلى الله عليه و سلم)، فقد ترجم الحافظ محب الدين الطبري في ذخائر العقبى، في ترجمة العباس بن عبد المطلب: فذكر صدقته (رضي الله عنه) بداره على المسجد الشريف النبوي ليوسعه، عن كعب قال: كان للعباس دار، فلما أراد عمر توسعة المسجد قال العباس: قد جعلتها صدقة على مسجد المسلمين، قال الحافظ الطبري: حديث صحيح. و انظر ترجمته من طبقات ابن سعد.
[١] انظر المسند الجزء الأول ١/ ١٥٩ و في طبعة المكتب الإسلامي ١/ ١٩٦.