نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٠ - المقدمة الأولى
كالملوك، و قد قال فيلسوف الإسلام الغزالي في الإحياء: «و من خصائصه (عليه السلام) أنه جمع له بين النبوة و السلطنة» ا ه و إلى كلامه هذا أشار الحافظ الأسيوطي في أنموذج اللبيب حيث قال: و جمع له بين النبوة و السلطنة، و لم تجمع لنبي قبله [١]. عد هذا الغزالي (رحمه الله) في الأحياء. و لما تكلم الإمام السهيلي في الروض على قول أبي سفيان للعباس لما حبسه في محتبس الوادي يوم الفتح: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. ورد عليه العباس بقوله إنها النبوة قال: فنعم إذا. ذكر عن القاضي أبي بكر بن العربي إنما أنكر العباس ذكر ذلك الملك مجردا من النبوة، مع أنه كان في أول دخوله في الإسلام، و إلا فجائز أن يسمّى مثله ملكا و إن كان لنبي فقد قال تعالى: وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ [ص: ٢٠] و قال سليمان (عليه السلام) وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: ٣٥].
غير أن الكراهة أظهر في تسمية حال نبينا (صلى الله عليه و سلم) ملكا، لما في الحديث أنه خيّر بين أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا فأشار إليه أن تواضع فقال: بل نبيا عبدا [٢].
قلت: كلام ابن العربي هذا وجدته في الأحكام: ص ١٩٩ من الجزء الأول. و لا شك أن ما نحن فيه ليس مما ينكر و لا ينكره أحد و قد قال الشهاب الخفاجي على حديث أبي مسعود البدري أن رجلا قام بين يديه (عليه السلام) فأرعد من الفرق فقال: هون عليك فإني لست بملك [٣] ما نصه: يعني لست من الملوك الجبابرة حتى تخاف مني لأن جبريل جاءه من اللّه و خيّره بين أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا فاختار أن يكون نبيا عبدا و لم يرض بوصفه بالملك و كذا الخلفاء الأربعة. و أول من ملك في الإسلام معاوية فلا وجه لقول بعضهم هنا: إن هذا لا ينافي أنه ظهر ملكه و إن كان ملكه نبوة فإنه لم يرد إلا نفي أنّه ملك كسائر الملوك عند المخاطب.
و قال الخفاجي أيضا على حديث ابن أبي هالة الذي فيه (عليه السلام) كان يقول:
أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبّت اللّه قدميه يوم القيامة [٤]. قيل يريد إن أبلغ سلطانا حاجة جوزي بهذا، فكيف بمن يبلغه (صلى الله عليه و سلم)، و إلا فهو أجل من أن يكون ملكا أو سلطانا و قد قال: لست بملك.
[١] إذا كانت السلطنة تعني القدرة و الملك فقد جمعت لسيدنا داود و ابنه سليمان، مصححه.
[٢] روى الإمام أحمد حديثا عن أبي هريرة أوله: جلس جبريل إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) فنظر إلى السماء فإذا ملك ينزل فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك. أ فملكا نبيا يجعلك أو عبدا رسولا؟ قال جبريل: تواضع لربك يا محمد. قال: بل عبدا رسولا ج ٢/ ٢٣١ و الإسلامي: ٣٠٤/ ٢.
[٣] روى ابن ماجه ج ٢ ص ١١٠١ حديثا عن أبي مسعود البدري أوله: هوّن عليك فإن لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد.
[٤] ذكره في التيسير و عزاه للطبراني و أبي الشيخ عن أبي الدرداء و قال: فيه من لا يعرف.